شمس الدين السخاوي

131

السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

--> = رضاهم ، فإن سلم الإنسان من مباشرة المحظورات فلا يسلم عن هذا أصلاً ، ومن الحاجة إلى الخلق تثور العداوة والصداقة ويبتني عليه الحسد ، والحقد ، والرّياء ، والكبر ، والكذب ، والغيبة ، والنميمة ، وسائر المعاصي التي تخصّ القلب واللسان ، ولا يخلو عن التعدي - أيضاً - إلى سائر الجوارح ، وكل ذلك يلزم من شؤم المال ، والحاجة إلى حفظه وإصلاحه ، وهذا لا ينفك عنه أحد من أصحاب المال . ثم إنه يلهيه إصلاح ماله عن ذكر الله - تعالى - وكل ما شغل عن ذكر الله فهو خسرانٌ . ولذلك قال عيسى - عليه السلام - : « في المال ثلاث خصال : أن يأخذه من غير حله . فقيل : إن أخذه من حله ؟ فقال : يضعه في غير حقه . فقيل : إن وضعه في حقه ؟ فقال : يشغله إصلاحه عن ذكر الله - تعالى - » . وهذا هو الداء العضال . فإن أصل العبادات ومخّها وسرّها ذكر الله - تعالى - والفكر في جلاله ومصنوعاته ، ويحتاج ذلك إلى قلب فارغ ، وصاحب الضيعة يمسي ويصبح متفكراً في خصومة الفلاح ومحاسبته ، وخصومة الشركاء ومنازعتهم في الماء والحدود ، وخصومة أعوان السلطان في الخراج ، وخصومة الأجراء في التقصير في العمارة ، وخصومة الفلاحين في خيانتهم ، وصاحب التجارة يكون متفكراً في خيانة شريكه وانفراده بالربح وتقصيره في العمل ، وتضييعه للمال ، وكذلك صاحب المواشي ، وهكذا سائر أصناف الأموال ، وأبعدها عن كثرة الاشتغال النقد المكنوز تحت الأرض ، ولا يزال الفكر متردداً فيما يصرف إليه ، وفي كيفية حفظه ، وفي الخوف ممن يعثر عليه ، وفي دفع أطماع الناس عنه ، وأودية أفكار أهل الدنيا لا نهاية لها ، والّذي معه قوت يومه في سلامة عن جميع ذلك ، وما يقاسيه أرباب الأموال في الدنيا من الخوف والحزن ، والغمّ والهمّ ، والتعب في دفع الحساد ، وتجشّم المصاعب في حفظ الأموال وكسبها ، فإذا ترياق الأموال أخذ الضرورة من ذلك مما بيّناه فيما تقدّم ما لا غنى عنه لإصلاح البدن ، بتوفيره على العبادة ، وصرف الزائد إلى الجيران في الخيرات من الصدقات وغيره ، وما عداه آفات . قال أبو عبيدة : يتضح مما مضى أنّ خيرية المال بثمرته ، وأنه يراد لغيره ولا يراد لعينه . وقد كشف عن ذلك ابن الجوزي في كلام نقله عنه ابن مفلح الحنبلي في كتابه « الآداب الشرعية » ( 3 / 469 - 470 ) ، قال : « قال ابن الجوزي : وأما التفضيل بين الغني والفقير ؛ فظاهر النقل يدل على تفضيل الفقير ، ولكن لا بد من تفصيل فنقول : إنما يتصور الشك والخلاف في فقير صابر ليس بحريص بالإضافة إلى غني شاكر ينفق ماله في الخيرات ، أو فقير حريص مع غني حريص ، إذ لا يخفى أن الفقير القانع أفضل من الغني الحريص ، فإن كان الغني متمتعاً بالمال في المباحات فالفقير القنوع أفضل منه . =