شمس الدين السخاوي

13

السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم

شكر الله عليه ، وعلى جهة اتخاذه مركباً للآخرة ، وهم كانوا أزهد الناس فيه ، وأورع الناس في كسبه . فربما سمع أخبارهم في طلبه من يتوهم أنهم طالبون له من جهة ملذاته وشهواته فحسب ، وهذا جهل بالاعتبار الذي طلبوه ، وحاش ÷ أن يطلبوه على علاته ، إنما طلبوه من جملة عباداتهم - رضوان الله عليهم ، وألحقنا بهم ، وحشرنا معهم ، ووفقنا لما وفقهم له بمنّه وكرمه - . فلا نعرف أحداً اجتمع له مال كما اجتمع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فكل ما سيق إليه جعله لأصحابه ، وإقامة الدين ، فكأني به - بأبي وأمي - صلى الله عليه وسلم - مع كونه المتسبِّب يرى أن ما وصل ليده من محض الفضل ، وأنه كوكيل على تصريفه فقط ، وليس له منه شيء ، وهذه أعلى المراتب ، وكان الواحد من أصحابه كالوكيل ، يأخذ منه ما احتاج ، وهو أقل مرتبة من هذا . * مراتب الناس في حظوظهم في المال : ولا شك أن الناس في أخذ حظوظهم على مراتب ، وأن الأسوة لهم في ذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، وكانوا يهضمون نفوسهم ، ويطرحون حظوظها ، بفضل قوة يقينهم بالله ؛ لأنهم عالمون بصفاته ، وبيده - سبحانه - ملكوت السماوات والأرض ، وهو حسيبهم لا يخيبهم ، فصارت الشهوة والنزوة والحظوة عندهم من قبيل ما قد ينسى ، ويأنف الواحد منهم إلى الالتفات إليها على وجه ما فيها مزاحمة لحق الله - تعالى - ، وهذه نماذج للتدليل على ذلك : - صح عن عائشة - رضي الله عنها - أن ابن الزبير بعث لها بمال في غرارتين - قال الراوي : أراه ثمانين ومئة ألف - ، فدعت بطبق وهي يومئذ صائمة ، فجعلت تقسمه بين الناس ، فأمست وما عندها من ذلك درهم ، فلما أمست قالت : « يا جارية ! هلُمّي أفطري » ، فجاءتها بخبز وزيت . فقيل لها : أما استطعت فيما قسمت أن تشتري