شمس الدين السخاوي

129

السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

--> = سعادة الآخرة التي هي النعيم الدائم ، والملك المقيم ، ولا بدّ من مطعم ، ومشرب ، ومسكن ، ومنكح ، وملبس ، فمن المطاعم إبقاء البدن ، ومن المناكح إبقاء النسل ، ومن البدن تكميل النفس وتزكيتها وتزيينها بالعلم والخُلق ، ومن عرف هذا الترتيب فقد عرف قدر المال ، ووجه شرفه ، وأنه من حيث ضرورة البدن إلى هذه الأسباب لتصح العبادة . فمن عرف فائدة ذلك وغايته ومقصده ؛ استعمله لتلك الغاية ، ملتفتاً إليها غير ناسٍ لها ، فقد أحسن وانتفع ، وكان ما حصل له من الغرض محموداً في حقّه ، فإذاً المال آلة ووسيلة إلى مقصود صحيح ، ويصلح أن يتّخذ آلة ووسيلة إلى مقاصد فاسدة ، وهي المقاصد الصادّة عن سعادة الآخرة ، ويسدّ سبيل العلم والعمل ، فهو إذ ذاك محمود مذموم ، محمود بالإضافة إلى المقصود المحمود ، ومذموم بالإضافة إلى المقصود المذموم ، فمن أخذ من الدنيا أكثر مما يكفيه فقد أخذ حتفه ، وهو لا يشعر . ولمّا كانت الطباع مائلة إلى اتباع الشهوات القاطعة لسبيل الله ، وكان المال مسهّلاً لها وآلة إليها عظم الخطر فيما يزيد على قدر الكفاية ، فاستعاذ بعض الزهاد من شره . واعلم أن المال مثل حيّة فيها سمٌ وترياق ، ففوائدها ترياقها ، وغوائلها سمومها ، فمن عرف غوائلها وفوائدها أمكنه أن يحترز من شرّها ، ويستدرّ منها خيرها . أمّا الفوائد فهي تنقسم إلى : دنيوية ودينية ، أما الدنيوية ؛ فلا حاجة في ذكرها ، فإن معرفتها مشتركة بين أصناف الخلق ، ولولا ذلك لم يتهالكوا على طلبها ، وأما الدينية فنحصر جميعها في ثلاثة أنواع : النوع الأول : أن ينفقه على نفسه إما في عبادة أو في الاستعانة على العبادة . أمّا العبادة كالاستعانة على الحج ، والصدقة ؛ فإنه لا يتوصل إليهما إلا بالمال ، وهما من أمّهات القربات ، والفقير محرومٌ عن فضلهما . وأما فيما يقويه على العبادة ، وذلك هو المطعم والملبس والمنكح ، فإنّ هذه الضرورات إذا لم تتيسّر كان القلب منصرفاً إلى تدبيرها ، فلا يتفرّغ للدّين ، وما لا يتوصل إلى العبادة إلا به فهو عبادة ، وأخذ الكفاية من الدنيا للاستعانة على الدين من الفوائد الدينية ، فلا يدخل في هذه التنعّم والزيادة على الحاجة ، فإن ذلك من حظوظ الدنيا فقط . النوع الثاني : ما تصرفه إلى الناس من صدقة واستخدام ومرؤة ووقاية العرض . أما الصدقة فلا يخفى ثوابها ، وأنها لتطفئ غضب الرب ، وفضائلها معروفة فلا نطوِّل بذكرها . وأما المروءة فنعني بها : صرف المال إلى الأغنياء والأشراف في ضيافة ، وهدية ، وإعانة ، وما يجري مجراه ، فإن هذه لا تسمى صدقة ، بل الصدقة ما تسلم إلى المحتاج إلا أن هذا - أيضاً - من الفوائد =