شمس الدين السخاوي

124

السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

--> = فبلغ ذلك أبا ذر ، فخرج مُغضَباً يريد كعباً ، فمرّ بلحي بعيرٍ ، فأخذه بيده ، ثم انطلق يطلب كعباً ، فقيل لكعب : إن أبا ذر يطلبك ، فخرج هارباً حتى دخل على عثمان ، يستغيث به ، وأخبره الخبر . فأقبل أبو ذر يقصُّ الأثر في طلب كَعب ، حتى انتهى إلى دار عثمان ، فلما دخل قام كعب ، فجلس خلف عثمان هارباً من أبي ذر ، فقال له أبو ذر : يا ابن اليهودية ، تزعم ألاّ بأس بما تركه عبد الرحمن ! لقد خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً ، فقال : « الأكثرون هم الأقلّون يوم القيامة ، إلا من قال هكذا وهكذا » [ الحديث صحيح ، دون القصة ، كما سيأتي مفصلاً ] » . قال المحاسبي : « فهذا عبد الرحمن - مع فضله - يوقف في عَرصة يوم القيامة ، بسبب ما كسبه من حلال ، للتعفف وصنائع المعروف ، فيمنع السعي إلى الجنّة مع الفقراء ، وصار يحبو في آثارهم حَبْواً » . إلى غير ذلك من كلامه . ذكره أبو حامد وشيّده وقوّاه بحديث ثعلبة ، وأنه أعطي المال فمنع الزكاة [ سيأتي قول المصنف عن حديث ثعلبة : إسناده ضعيف جدّاً ، وتخريجه هناك ] . قال أبو حامد : « فمن راقب أحوال الأنبياء والأولياء وأقوالهم ، لم يشك في أن فقد المال أفضل من وجوده ، وإن صرف إلى الخيرات ، إذ أقل ما فيه ، اشتغال الهمّة بإصلاحه عن ذكر الله . فينبغي للمريد أن يخرج عن ماله ، حتى لا يبقى له إلا قدر ضرورته ، فما بقي له درهم يلتفت إليه قلبه ، فهو محجوب عن الله - تعالى - » . قال ابن الجوزي [ في « تلبيس إبليس » ( ص 178 ) ] : وهذا كله خلاف الشرع والعقل ، وسوء فهم للمراد بالمال ، وقد شرّفه الله ، وعظّم قدره ، وأمر بحفظه إذ جعله قِواماً للآدمي ، وما جعل قِوماً للآدمي الشريف فهو شريف ، فقال - تعالى - : { وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً } [ النساء : 5 ] ، ونهى - جلَّ وعزَّ - أن يسلم المال إلى غير رشيد ، فقال : { فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } [ النساء : 6 ] ، ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعة المال ، قال لسعد : « إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس » [ أخرجه البخاري ( 56 ، 2744 ، 3936 ، 5668 ، 5659 ، 6373 ، 6733 ) ، ومسلم ( 1628 ) ] . وقال : « ما نفعني مال كمال أبي بكر » [ الحديث صحيح ، وخرجته بتفصيل في تعليقي على « المجالسة » ( 151 ) ] . وقال لعمرو بن العاص : « نعم المال الصالح ، للرجل الصالح » . ودعا لأنس ، وكان في آخر دعائه : « اللهم أكثر ماله وولده ، وبارك له فيه » . وقال كعب : يا رسول الله ! إنّ من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله . فقال : « أمسك عليه بعض مالك ، فهو خير لك » . =