شمس الدين السخاوي
121
السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
--> = عبداً ، فلزمه أن يفي لله بما اختاره ، والمال إنما يرغب فيه مع مقارنة الدين يستعان به على الآخرة ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فلم يحتج إلى المال من هذه الوجوه ، وكان قد ضمن الله له رزقه بقوله : { نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى } [ طه : 32 ] . وانظر : « شرح ابن بطال على صحيح البخاري » ( 10 / 174 ) ، وقد خرَّجت تخيير الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - في تعليقي على « الموافقات » للشاطبي ( 1 / 544 ) ، فانظره ، وانظر : « الصحيحة » ( 1002 ) . ويعجبني كلامٌ للخطابي في « غريب الحديث » ( 1 / 711 ) عند شرحه لحديث أخرجه البخاري ( رقم 2842 ) ، ومسلم ( رقم 1052 ) ، وغيرهما عن أبي سعيد ، وفيه : « إن الخير لا يأتي إلا بالخير ، ولكن الدنيا حُلوة خَضِرة » قال : « قوله : « إن الخير لا يأتي إلا بالخير ، ولكن الدنيا حلوة خضرة » مَثلٌ يريد أن جمع المال واكتسابه غير محرم ، ولكن الاستكثار منه والخروج من حدّ الاقتصاد فيه ضار ، كما أن الاستكثار من المأكل مُسقم والاقتصاد فيه محمود . ونظير هذا من الكلام قول الأحنف بن قيس . وقيل له : الحياءُ خير كله ، فقال : « إنّ منه ضعفاً » . يريد أن ما خرج من حدّ الاعتدال لم يكن خيراً ، لكن ذلك يستحيل ضعفاً وخوراً ، كالجود إذا أفرط صار سرفاً ، وكالشجاعة إذا أفرطت صارت تهوراً ، وكالحزم إذا أفرط صار جُبناً ، إلى ما أشبه هذا » . قلت : كثرة المال سبب للتنافس في الدنيا ، ونسيان الآخرة ، وحينئذٍ يقع الهلاك ، فليست المفاضلة لكثرة المال لذاته ، ولا بجمال الأثاث ، وحسن المناظر . فقد أخرج البزار ( 3671 - زوائده ) ، من حديث أبي جحيفة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « ستفتح عليكم الدنيا ، حتى تنجَّدَ الكعبةُ » . قلنا : ونحن على ديننا اليوم ، قال : وأنتم على دينكم اليوم ، قلنا : فنحن يومئذٍ خير أم اليوم ؟ قال : « بل أنتم اليوم خير » ، وإسناده جيد ، قاله شيخنا الألباني - رحمه الله تعالى - في « الصحيحة » ( 1884 ، 2486 ) . والخيرية ليست في اللذات والأموال والمظاهر الجوفاء ! قال الله - تعالى - : { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِئْياً } [ مريم : 74 ] . جاءت هذه الآية القرآنية الكريمة تشير إلى الأمم السابقة التي أُهلكت - والتي وردت قصصها في القرآن في مواضع أخرى - رداً على أولئك الذين لم يعرفوا التفريق بين المبادئ والأشياء . . . أو قدّموا الأشياء والأثاث على هداية المبادئ والقيم والأفكار ! قال - تعالى - في الآية السابقة لها : { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ايَاتُنَا بِيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ امَنُواْ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً } [ مريم : 73 ] فجاء الجواب : { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ . . . } الآية . وقد يمثل القرن الذي نعيش فيه أبعاد هاتين الآيتين الكريمتين . . . فأنت إذا دعوت الناس بهداية =