شمس الدين السخاوي

119

السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

--> = وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : « يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يومٍ ، وهو خمس مئة عام » ، وقوله - عليه الصلاة والسلام - : « اطّلعت على الجنة ، فرأيت أكثر أهلها الفقراء ، واطّلعت على النار ، فرأيتُ أكثر أهلها النساء » ، فإن ذلك محمولٌ على الغالب من أحوال الأغنياء والفقراء ، إذ لا يتصفُ من الأغنياء بما ذكرناه من أن يعيش عيش الفقراء ويتقرب إلى الله - تعالى - بما فَضَلَ عن عيشه ، مُقدّماً لأفضلِ البذلِ فأفضلِهِ إلا الشذوذُ النادرونَ الذين لا يكادون يوجدون ، والصابرون على الفقرِ قليلٌ ما هم ، والراضونَ أقلّ من ذلك القليل . وتحقيق هذا أنه - صلى الله عليه وسلم - كان قبل الغنى قائماً بوظائف الفقر ، فلما أغناه الله - تعالى - قام بوظائف الفقراء والأغنياء ، فكان غنياً فقيراً ، صبوراً شكوراً ، راضياً بعيش الفقراء ، جواداً بأفضل جود الأغنياء . ومن أعمال القلوب : احتقار ما حقّره الله من الدنيا وأسبابها ، وتعظيم ما عظّمه الله من الفقر والذل والمسكنة والخضوع والخشوع والغربة وعدم الجاهِ والمال ؛ لأن الغنى بالمعارف والأحوال أفضل وألذُّ من الغِنى بالجاه والأموال . والذلُّ لله - عز وجل - عِزٌّ ، والفقرُ له غنى ، والغُربة لأجله استيطان ؛ لأن العبد إذا كان عند سيده فهو في أفضل الأوطان ، وإن أعرض عنه ونأى بجانبه ، فأعظِم به من خسران » ، ثم قال تحت عنوان ( فائدة ) وفيها تفصيل لما أجمله المصنف . قال - رحمه الله تعالى - : « لا يفضل الغنى من جهة كونه غِنىً ، ولا الفقر من جهة كونه فقراً ، وإنما الفضل والخلاف فيما يترتبُ عليهما من الآثار . وقد جمعَ - صلى الله عليه وسلم - بين آثارهما في آخر عمره ، فكان متصفاً بأكمل آثار الفقر وأكمل آثار الغنى ، فكان جامعاً بين آثارهما التي وقع فيها الخلاف ، فقام بمصلحتي السببين اللذين ليسا بمقصودين ولا قُربة فيهما ، بل هما وسيلتان إلى مصالح الغنى والفقر » . قال أبو عبيدة : الأحاديث التي ساقها العز جميعها تقدّمت ، إلا حديث : « يا ابن آدم ! إنك إن تبذل الفضل خيرٌ لك ، وإن تمسكه شرٌّ لك » . والحديث أخرجه مسلم في « صحيحه » في كتاب الزكاة ( باب بيان أن اليدَ العليا خير من اليد السُّفلى ) ( 1036 ) عن أبي أمامة ، وله تتمة هي : « ولا تُلامُ على كفافٍ ، وابدأ بمن تعول ، واليدُ العُليا خيرٌ من اليد السُّفلى » . وفي لفظ : « إن تُعط الفضلَ فهو خير لك ، وإن تُمسكه فهو شرٌّ لك ، وابدأ بمن تعول ، ولا يلومُ الله على الكفاف » . أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة ( 2 / 362 ) وإسناده حسن . وانظر : « السلسلة الصحيحة » ( 2473 ) . وفي هذا الحديث فضل الكفاف ، وهو قدر حاجة الإنسان ، دون زيادة التي تسبب - في الغالب - الطُّغيان ، وسيأتي لاحقاً إن الغنى مغلوب بهذه الخصلة إلي لا تكاد تنفك عن الإنسان ، ما لم يصل إلى أعلى المراتب وأكملها من التيّقظ والمراقبة وهضم النفس ، والحرص على التواضع . =