محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
89
الإنجاد في أبواب الجهاد
والكرب بفوت المغنم ، كما يؤجر من أصيب بجهدٍ في نفسه ، أو تَلفِ شيءٍ من ماله ، وذلك أنَّ حالَهم بالإضافة إلى من غَنِمَ حالُ من أصيب بفوتِ مثل ذلك ( 1 ) . وقد خرّج مسلم ( 2 ) في بعض طرقه ما يُتنَبَّهُ به على هذا المعنى ؛ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « ما مِنْ غازية - أو : سريَّةٍ - تغزو فتغنم وتَسْلَمُ ؛ إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم ، وما من غازيةٍ - أو : سريّةٍ - تُخْفِقُ وتصاب ؛ إلاَّ تمَّ أجورهم » . فعلى نحو هذا تترتَّبُ زيادةُ الأجرِ لمن لم يغنم ، ويَتَّصِفُ من غَنِمَ بنقصان الأجر إذا أضيف أجره في ذلك إلى الحَظِّ الذي زِيدَ في ثواب من لم يغنم ، والله أعلم . وقد روي في نحو ذلك حديثٌ آخر ؛ ذكره أبو عبيد في « غريب الحديث » ( 3 ) له مقطوعاً ، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : « أيُّما سريَّة غزت فأخفقت ؛ كان لها أجرها مرتين » ، قال : حدثناه مروان بن معاوية ، عن إبراهيم بن أبي حُصين ، عمَّن حدثه ، يرفع الحديث . فهذا يَدُلُّك أنه زيادة أجرٍ فوق الجهاد ، لا نُقصان منه ، وأدَلُّ دليلٍ في ذلك وأوضحه : قوله - صلى الله عليه وسلم - - وقد ذكر مافضَّله الله - تعالى - به ، وخصَّه من كرمه - : « أُعطيت خمساً لم يُعطهنّ أحدٌ قبلي ؛ كان كلُّ نبيٍّ يُبعث إلى قومه خاصَّة ، وبُعثتُ إلى كل أحمر وأسود ، وأُحِلَّت لي الغنائم ، ولم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي » . . . الحديث ؛
--> ( 1 ) انظر تفصيل الكلام على الحديث : « إكمال المعلم » للقاضي عياض ( 6 / 330 - 331 ) ، « شرح النووي على صحيح مسلم » ( 13 / 78 - ط . قرطبة ) ، « عون المعبود » ( 7 / 174 ) . ( 2 ) في « صحيحه » ( 154 ) ( 1906 ) . ( 3 ) « غريب الحديث » ( 1 / 188 - ط . دار الكتاب العربي ) . وإسناده ضعيف . وأخرجه ابن أبي شيبة ( 4 / 567 - ط . دار الفكر ) قال : حدثنا عيسى بن يونس ، عن الأوزاعي ، عن حسَّان بن عطية ، عن عروة اللَّخمي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « أيّما سريةٍ خرجت فرجعت وقد أخضعت - كذا - ، فلها أجرها مرتين » . وهذا مرسل . وعروة اللخمي هو : عروة بن رُوَيم أبو القاسم اللخمي . صدوق يرسل كثيراً . قاله الحافظ في « التقريب » ( 4560 ) . وانظر : « الجرح والتعديل » ( 6 / 396 ) ، « طبقات ابن سعد » ( 7 / 460 ) ، « الحلية » ( 6 / 120 ) ، « تاريخ دمشق » ( 40 / 228 ) .