محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

76

الإنجاد في أبواب الجهاد

أحدهما : أنه لا يحل لمسلمٍ أن يسكن بلادَ المشركين ، فيكون منهم بقدر ما يرى كلُّ واحدٍ منهما نار صاحبه ، قال : فجعل الرؤية للنار ، وإنما الرؤية لصاحبها ، ومعناه : أن تدنو هذه من هذه . والوجه الآخر ، يقال : إنه أراد بقوله : « لا تراءى ناراهما » ؛ يريد نار الحرب ، قال الله - تعالى - : { كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ } [ المائدة : 64 ] ، فيقول : فناراهما مختلفتان ؛ هذه تدعو إلى الله ، وهذه تدعو إلى الشيطان ، فكيف يتفقان ؟ ! ، وكيف يساكن المسلم المشركين في بلادهم ، وهذه حال هؤلاء وهؤلاء ؟ ! هذا الوجه الثاني أوقع في معنى الحديث ، وما سيق له التعليل بذلك في تحريم المساكنة ، والله أعلم . وأما أمره - صلى الله عليه وسلم - بنصْف العقل ، فيحتمل أن يكون إنما أهْدَر النِّصْفَ الثاني ؛ لأنهم أعانوا على أنفسهم ، حيث أقاموا بدار الكفر ، وعَرَّضوا أنفسهم بذلك للقتل ، والله أعلم . وفي هذا الحديث ردٌّ على من زَعمَ أنْ لا دِيَةَ لمن أقام من المسلمين بدار الحرب ، مع إمكان الخروج ، حتى أصابه المسلمون في مَعَرَّة الاقتحام ، وإليه ذهبت المالكية ( 1 ) . * * * * *

--> ( 1 ) انظر : « أحكام القرآن » لابن العربي ( 4 / 139 ) ، « تفسير القرطبي » ( 16 / 243 ) وهو مذهب الحنفية ، انظر : « تبيين الحقائق » ( 3 / 243 ) ، « بدائع الصنائع » ( 6 / 63 ) . وقال ابن القيم في « تهذيب سنن أبي داود » ( 7 / 304 ) : « قال بعض أهل العلم : إنما أقر لهم بنصف العقل بعد علمه بإسلامهم ؛ لأنهم قد أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين ظهراني الكفار ، فكانوا كمن هلك بجناية نفسه وجناية غيره . وهذا حَسَن جداً » .