محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
67
الإنجاد في أبواب الجهاد
جامعَ المشرك وسكن معه ؛ فإنه مثله » . وبالجملة ؛ فلا خلاف في وجوب الخروج من دار الكفر ، واللّحاق بدار المسلمين ( 1 ) .
--> ( 1 ) قد اتفق الفقهاء على وجوب الهجرة من ديار الكفار إلى ديار المسلمين في حالة خوف الافتتان في الدين ؛ فتجب الهجرة حين لا يجد المسلم مستقراً لدينه في أرضٍ يفتتن فيها ويمْتَحَنُ في دينه ، فلم يَعُد في وُسعهِ إظهار ما كلَّفه الله به من أحكامٍ شرعية ، خشية أن يُفتن في نفسه من بلاءٍ يقع عليه ، أو مسِّ أذىً يصيبه في بدنه ، فينقلب على عقبيه . قال الإمام النووي في « روضة الطالبين » ( 10 / 282 ) : « المسلم إذا كان ضعيفاً في دار الكفر ، لا يقدر على إظهار الدِّين حَرُمَ عليه الإقامة هناك ، وتجب عليه الهجرة إلى دار الإسلام . . . » . اه - . وحين يجد المسلم موضِعاً - داخل القطر الذي يعيش فيه - يَأمنُ فيه على نفسه ودينه وأهله ، وينْأى فيه عن الفتنة التي حلَّت به في مدينته ، أو في قريته ، فعليه - إن استطاع - أن يهاجر إلى ذلك المكان داخل قطْره نفسه ، وهذا أولىَ - وبلا شك - من أن يهاجر إلى خارج قطره ، إذ يكون أقرب إلى بلده ليُسرع بالرجوع إليه بعد زوال السَّبب الذي من أجله هاجر . وقد هاجر أشرف إنسان وأعظمه محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - ، من أشرف بقعة وأعظمها ؛ مكة المكرمة ، وكل إنسان - منذ خلق الناس إلى الساعة - ، دون محمد - صلى الله عليه وسلم - ؛ منزلةً ، وكل بقاع الأرض ، دونها ؛ شرفاً وقُدسيةً . والهجرة كما أنها مشروعة من قُطر إلى قُطر ، فهي مشروعة من قرية أو من مدينة إلى قرية أو مدينةٍ داخل القطر نفسه ، والمهاجرُ يعرف من نفسه ما لا يعرفه منه غيره . والهجرة من قُطر إلى قُطر لا تشرع إلا بدواعيها وأسبابها ، ومن أعظم هذه الأسباب : أن تكون الهجرة للإعداد واتخاذ الأهبة التي أمر الله بها { وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ . . . } ؛ لإجلاء الأعداء عن أرضٍ من أرضِ المسلمين ، وتخليصها من أيديهم ؛ ليعود إليها حكم الإسلام كما كان من قبل . فالهجرة - إذن - من الإعداد الذي أمر الله به وحضَّ عليه ، ومن أبطأ فيها - وقد تهيأت أسبابها ودواعيها - فقد عصى الله ، ونأى بجانبه عن أمره . فإن علم المسلم - أو المسلمون - أنهم ببقاءهم في ديارهم يزدادون وهناً إلى وهن ، وضعفاً إلى ضعف ، وأنهم إن هاجروا ذهب الوهن عنهم ، وزال الضعف منهم ، وبقوا - بعد علمهم هذا - ولم يهاجروا - إن استطاعوا - ؛ فهم آثمون عاصون أمر الله ، وربما عوقبوا بمعصيتهم هذه عقوبة أعظمَ وأشدَّ نُكراً ، تتلاشى فيها شخصيتهم ، وتغيبُ معها صورتهم ، وتضل بها عقيدتهم ، ثم لا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً . =