محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
549
الإنجاد في أبواب الجهاد
الجزية اثنا عشر درهماً ، وأربعة وعشرون درهماً ، وثمانية وأربعون درهماً ، يريدون : بحسب الأحوال ( 1 ) . فالفقير تفرض عليه اثنا عشر درهماً ، والوسط يضاعف ذلك عليه ، والغني يضاعف عليه ما ضوعف على الوسط ( 2 ) ، وقد روي
--> ( 1 ) ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في « مجموع الفتاوى » ( 19 / 253 - 254 ) : « والصحيح أنها ليست مقدرة بالشرع ، وأَمْرُ النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ : « أن يأخذ من كل حالِمٍ ديناراً ، أو عدله معافرياً » قضية في عين ، لم يجعل ذلك شرعاً عامّاً لكل من تؤخذ منه الجزية إلى يوم القيامة ، بدليل أنه صالح لأهل البحرين على حالم [ كذا في المطبوع ] ، ولم يقدره هذا التقدير ، وكان ذلك جزية ، وكذلك صالح أهل نجران على أموالٍ غير ذلك ، ولا مقدرة بذلك ، فعلم أن المرجع فيها إلى ما يراه ولي الأمر مصلحة ، وما يرضى به المعاهدون ، فيصير ذلك عليهم حقّاً يجزونه ، أي : يقصدونه ويؤدونه » . ( 2 ) ذكر البخاري في « صحيحه » ( 6 / 257 - « الفتح » ) معلقاً عن ابن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، قال : قلت لمجاهد : ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير ، وأهل اليمن عليهم دينار ؟ قال : فعل ذلك من قبل اليسار . ووصله عبد الرزاق في « المصنف » ( 10094 ، 10098 ) ، وذكره أبو عبيد في « الأموال » ( ص 51 رقم 107 ) بلاغاً عن سفيان بن عيينة . وأما حديث معاذ المذكور آنفاً لما بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل اليمن ، وأمره أن يأخذ من كل حالمٍ ديناراً ، فقد قال ابن القيم في « أحكام أهل الذمة » ( 1 / 134 - 135 ) - وذكر نحوه قبله ابن قدامة في « المغني » ( 13 / 212 ) - : قلت : ولا يخلو حديث معاذ من أحد وجوه ثلاثة : الأول : أن يكون أَمَرَهُ بذلك ؛ لأن الغالب على أهل ذمة اليمن إذ ذاك الفقر ، وقد أشار مجاهد إلى ذلك في قوله : إنما جعل على أهل الشام ثمانية وأربعون درهماً من أجل اليسار . الوجه الثاني : أنهم كانوا قد أقروا بالجزية ، ولم يتميز الغني منهم من الفقير ، والصحابة إذ ذاك لم يسكنوا اليمن ، بل كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، إذ هو حَيٌّ بين أظهرهم ، فلما لم يتفرَّغوا لتمييز غنيهم من فقيرهم ، جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجزية كلها طبقة واحدة ، فلما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وتفرق الصحابة في البلاد وسكنوا الشام ، تفرغوا لتمييز طبقات أهل الذمة ، ومعرفة غنيهم وفقيرهم ومتوسطهم ، فجعلوهم ثلاث طبقات ، وأخذوا من كل طبقة ما لا يشق عليهم إعطاؤه . الوجه الثالث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقدرها تقديراً عامّاً لا يقبل التغيير ، بل ذلك موكول إلى المصلحة واجتهاد الإمام ، فكانت المصلحة في زمانه أخذَها من أهل اليمن على السواء ، وكانت المصلحة في زمن الخلفاء الراشدين أخذها من أهل الشام ومصر والعراق على قدر يسارهم وأموالهم ، وهكذا فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإنه أخذها من أهل نجران حُلَلاً في قِسْطين : قِسطٌ في صَفَر ، وقِسطٌ في رجب . =