محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

51

الإنجاد في أبواب الجهاد

واختلفوا في العبد ومن له أبوان ، هل يستأذنهما ؟ ومن عليه دينٌ ، هل يخرج بغير إذن غُرمائه ؟ فأمًّا العبد : فالجمهور على أنَّه ليس من أهل الفرضِ في الجهاد ، وأنه لم يخاطب بذلك إلاَّ الأحرارُ ؛ لأنَّ فِعلَ الجهاد تُصابُ ( 1 ) فيه النفس والمال بالإتلاف ، وهو مقصورٌ عن ذلك بالشرع ( 2 ) . قال قوم : ولو غزا مع سيده ليخدمه ، فلا يقاتل إلا بإذنه ، إلا أن يدخل العدوَّ عسكرَ المسلمين ، فليقاتل ويدفعْ ( 3 ) . فمنعوه من القتال ابتداءً ؛ لأن في ذلك الهلاكَ غالباً ، وهو مالٌ لمالكه محظورٌ في الشرع تصرُّفٌ فيه بما يُعرِّضه للهلاك من غير إذن سيِّده ، فأما في ضرورة الاقتحام ونحوه ، فذلك أمرٌ يتعيَّن فيه القتال على كلِّ مكلفٍ قادرٍ ، ولا أعلم الآن من يقول بإيجاب الجهاد عليه - أعني : الذي هو فرض كفاية ، كما يكون ذلك على الأحرار - إلا ما تأتي عليه أصول ( 4 ) أهل الظاهر ، فإنهم يرون الخطاب الواردَ في الشرعِ مَوْرِدَ العموم يتناول الحُرَّ والعبدَ على حدٍّ سواء ، إلاّ أن يخصَّصَ شيئاً من

--> ( 1 ) في هامش نسخة أبي خبزة : « في الأصل بقية كلمة ، وكلمة أخرى أصابتها الأرضة » . ( 2 ) قال بدر الدين بن جماعة في « تحرير الأحكام » ( ص 156 ) : « الجهاد الذي هو على الكفاية : إنما يجب على المسلمين ، البالغين ، الذكور ، العقلاء ، الأحرار ، والأصحّاء المستطيعين ، ومتى فقد هذه الأوصاف السبعة لم تجب عليه » . وانظر : « الأم » ( 4 / 85 ، 86 ) ، « والوجيز » ( 2 / 113 ) ، « روضة الطالبين » ( 10 / 209 ، 210 ) ، « المهذب » ( 2 / 228 ) . ( 3 ) لا يشترط إذن السيد في قتال العبد عند تعيّنه عليه ، ويشترط فيما دون ذلك دون خلاف ، انظر : « شرح السير الكبير » ( 4 / 1455 ) ، « بداية المبتدي » ( 2 / 135 ، 137 ) ، « فتح القدير » ( 5 / 442 ) ، « التاج والإكليل » ( 3 / 349 ) ، « الشرح الكبير » ( 2 / 175 ) ، « روضة الطالبين » ( 10 / 214 ) ، « مغني المحتاج » ( 4 / 217 ، 219 ) ، « الإنصاف » ( 4 / 117 ) ، « كشاف القناع » ( 3 / 33 ) ، « أحكام إذن الإنسان في الفقه الإسلامي » ( 2 / 627 ) . ( 4 ) كلام المصنف دقيق ، فهو يخرّج على أصول الظاهرية ، وهذا يدلل على أنه ( فقيه نفس ) ، والمنقول عن داود أن العبد إذا خالف أمر سيده ، وأحرم بالتطوع أو النذر فلا ينعقد إحرامه خلافاً للجماهير ، والمسالة مبسوطة في « الإشراف » للقاضي عبد الوهاب ( رقم 715 - بتحقيقي ) ، ونقل فيها مذهب داود الظاهري ، ونقله - أيضاً - النووي في « المجموع » ( 7 / 37 ، 47 ) ، وانظر : « فقه داود » ( 577 ) .