محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

492

الإنجاد في أبواب الجهاد

وأنَّ جميعه في مصالح المسلمين كافة . وقد خولف الشافعي في إثبات الخمس ( 1 ) في الفيء ؛ قال ابن المنذر ( 2 ) : « ووافق بعض أصحابنا الشافعيَّ في عامَّة ما حكيناه عنه ، وخالفه في إيجاب الخمس من الفيء ، قال : ولعمري ! لا يُحفظ عن أحدٍ قبل الشافعي أنه أوجب في الفيء خمساً ، كخمس الغنيمة » . قلت : وأما المحفوظ على مذهب مالكٍ وأصحابه في هذا الباب ، فتحصيله يرجع إلى ثلاثة أقسام : فالأول : ما لم يُوجَف عليه ، وذلك نحو ما كان من الجزية على الرؤوس ، وخراج الأرضين ، ومال الصلح ، وعشور أهل الذمَّة وأهل الحرب إذا اختلفوا في تجارة ، وما جَلاَ عنه أهل الحرب خوفاً من المسلمين قبل خروج جيشٍ إليهم ، فذلك كلُّه حكمه عندهم حكم الفيء ، لا خمس فيه ، ولا حقَّ مُعيَّناً لأحد . واختلفوا إن جلا الكفار عن شيءٍ بعد نزول الجيش عليهم ، فقال بعضهم : هو كالأول على حكم الفيء ؛ لأنه أخِذَ بغير قتال ، وقال بعضهم : بل هو للجيش على حكم الغنائم ؛ لأنهم أوجفوا عليه . والإيجاف : قيل : هو المعروف في اللغة : وجَفَ الفرسُ والناقة وجيِفاً ، وأوجفهما راكبهما إيجافاً ، وهو سرعة السَّيْر والاجتهاد فيه ( 3 ) ، فيكون معنى قوله - تعالى - : { فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ } [ الحشر : 6 ] ، أي : ما قصدتم نحوه ، وحَثَثْتُم إليه الخيل والرِّكاب ، وهي الإبل - يعني : عند الغزو - ، فإذا لم يغزوا فلم يوجفوا عليها . وقال قتادة في قوله - تعالى - : { فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ } [ الحشر : 6 ] : « ما قطعتم إليها وداياً ، ولا سيّرتُم إليها دابّةً ولا

--> ( 1 ) أثبتها الناسخ في نسخته : ( خمس ) . وصحَّحها في الهامش : ( الخمس ) . ( 2 ) في « الأوسط » ( 12 / 80 ) ، وليس في مطبوعه كلمة : « ولَعَمْري » . ( 3 ) انظر : « الصحاح » ( 4 / 1437 ) ، « لسان العرب » ( 9 / 352 ) .