محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
464
الإنجاد في أبواب الجهاد
تُخمَّس الغنيمة ، فيكون الخمس في الأصناف المذكورين في هذه الآية ؛ كأنه رأى ذلك عائداً على خُمس الفيء خاصة ، لما بيَّنت السنَّة أنَّ أربعة أخماسه في مصالح المسلمين عامَّة ( 1 ) . وقول الجمهور حيث فرقوا بين الفيء والغنيمة في الآيتين ، ولم يروا بينهما تعارضاً ولا نَسْخاً ، بل كلتاهما محكمتان ؛ هو الأظهر الأشهر . وأمَّا حملُ آية الفيء على معنى أنها الغنيمة ؛ كان الحكم فيها أن يقسم على الأصناف المسمَّين فيها ، ثم نسخت ؛ فأمرٌ لا دليل عليه ، ولا اضطرار إليه . وأيضاً ؛ فإن الآية في الغنائم من سورة الأنفال نزلت إثر بدر ، وذلك قبل أمر القُرى التي أنزل الله - تعالى - فيها : { مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى } [ الحشر : 7 ] . وقد ذهب قومٌ إلى أن هذه الآية مُبيِّنةٌ لحكم الآية التي قبلها : { وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ } [ الحشر : 6 ] ، وأبى ذلك أكثر أهل العلم ، ورأوا أن الآية الأولى من سورة الحشر خاصَّةٌ في حكم أموال بني النضير حين جَلَوا عن بلادهم بغير حرب ، وفيهم نزلت سورة الحشر ( 2 ) : { هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ } [ الحشر : 2 ] ، فجعل الله - عز وجل - أموالهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلم يستأثر بها ، بل أخذ منها قدر ما يكفيه
--> ( 1 ) هذا قوله في الجديد . حكاه عنه أبو بكر القفَّال الشاشي في « حلية العلماء » ( 7 / 690 - 691 ) . ( 2 ) أخرج البخاري في « صحيحه » في كتاب التفسير ( بابٌ منه ) ( رقم 4882 ) ؛ عن سعيد بن جبير ، قال : قلت لابن عباس : سورة التوبة ، قال : التوبة هي الفاضحة ، ما زالت : ومنهم ومنهم ، حتّى ظنَّوا أنها لم تُبقِ أحداً منهم إلا ذكر فيها . قال : قلت : سورة الأنفال ، قال : نزلت في بَدرٍ ، قال : قلت : سورة الحشر ، قال : نزلت في بني النضير . وأخرجه في عدة مواطن مختصراً ( رقم 4029 ، 4645 ، 4883 ) . وأخرجه مسلم في « صحيحه » في كتاب التفسير ( باب في سورة براءة والأنفال والحشر ) ( رقم 3031 ) .