محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

462

الإنجاد في أبواب الجهاد

والآية على هذا مُحكمةٌ ومُتَّفقة المعنى مع قوله - تعالى - : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ } [ الأنفال : 41 ] ، لكن في دعوى تسمية الخمس نفلاً ؛ نظرٌ ، والله أعلم . فصلٌ وأما قوله - تعالى - : { مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ . . . } الآية [ الحشر : 7 ] ، فكذلك اختلف أهل العلم فيها ؛ فمنهم من ذهب إلى أن الآية منسوخةٌ بقوله - تعالى - : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ . . . } الآية [ الأنفال : 41 ] ، وزعم أن الفيء ها هنا هو الغنيمة - أيضاً - ، وأنه كان الأمر في صدر الإسلام : أن تُقسم الغنائم على هذه الأصناف المسمَّاة في الآية ، ولا يكون لمن قاتل عليها شيءٌ منها ، إلا أن يكون من أحد هذه الأصناف ، ثم نسخ الله - تعالى - ذلك بآية الخمس ، فقصر هؤلاء الأصناف عليه ، وقسم سائر الغنيمة في الجيش ، روي هذا القول عن قتادة ( 1 ) ، وغيره ، وهو بعيد

--> = إنَّ تقوى ربِّنا خيرُ نَفَلْ . . . وبإِذنِ اللهِ رَيْثى وعَجَلْ فإذا كان معناه ما ذكرنا ، فكلّ من زيد من مقاتلة الجيش على سهمه من الغنيمة ، إن كان ذلك لبلاء أبلاه ، أو لغناء كان منه عن المسلمين ، بتنفيل الوالي ذلك إياه ، فيصير حكم ذلك له كالسلب الذي يسلبه القاتل ، فهو منفل ما زيد من ذلك ؛ لأن الزيادة وإن كانت مستوجبة في بعض الأحوال بحقّ ، فليست من الغنيمة التي تقع فيها القسمة ، وكذلك كل ما رضخ لمن لا سهم له في الغنيمة فهو نفل ؛ لأنه وإن كان مغلوباً عليه ، فليس مما وقعت عليه القسمة ، فالفصل إذ كان الأمر على ما وصفنا بين الغنيمة والنفل ؛ أن الغنيمة : هي ما أفاء الله على المسلمين من أموال المشركين بغلبة وقهر نفل منه منفل ، أو لم ينفل ؛ والنفَل : هو ما أعطيه الرجل على البلاء والغناء عن الجيش على غير قسمة . وإذ كان ذلك معنى النفل ، فتأويل الكلام : يسألك أصحابك يا محمد عن الفضل من المال الذي تقع فيه القسمة من غنيمة كفار قريش ؛ الذين قتلوا ببدر لمن هو ؟ قل لهم يا محمد : هو لله ولرسوله دونكم ، يجعله حيث شاء » . ( 1 ) رواه عنه : ابن جرير في « التفسير » ( 28 / 37 - 38 ) ، وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 8 / 101 ) ؛ وعزاه إلى عبد بن حميد .