محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

368

الإنجاد في أبواب الجهاد

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

--> = هذا والاستيلاء والإحراز ، عهد طريقاً مكسباً للملكية الفردية في المباحات ، وذلك تشجيعاً للجهد الإنساني الفردي للانتفاع بما وجد في الطبيعة من خيرات واستثمارها ، وذلك معقول ، لأنَّ من بذل جهداً فاجتنى مما وجد في الطبيعة من خير مباح لا مالك له ، كان أولى من غيره بامتلاكه ، ممن لم يبذل أدنى مشقة في هذا السبيل ، وهذا أمر وراء استلاب الحقوق والثروات ، واغتصاب الديار والأوطان بعد تشريد أهلها منها بقوة السلاح . وقد تضافرت نصوص القرآن الكريم على وجوب دفع العدوان قبل وقوعه بالجهاد بالأنفس والأموال ، وعلى وجوب إزالته بعد الوقوع ، ولم يعهد أنه سبيل لتملك الأعداء ديار المسلمين وأموالهم . قال - تعالى - : { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } [ البقرة : 194 ] . وإذا حرم الإسلام على أهله الاعتداء ، فأحرى أن يحرم عدوان غيرهم عليهم ، ولا يجعله سبيلاً لامتلاك أموالهم وديارهم ! وقال - تعالى - : { وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } [ النساء : 141 ] . لا يقال إن الآية تدل على أن الله - تعالى - لن يجعل للأعداء سبيلاً على نفوس المسلمين دون أموالهم ، لأنا نقول : إن كلمة { سَبِيلاً } نكرة في سياق النفي ، فتعم كل سبيل سواء أكان واقعاً على نفوسهم أو أموالهم أو ديارهم . ولا يقال كذلك إن الله لم يجعل للكافرين على المسلمين حجة ؛ لأن الصيغة عامة فيجب إجراؤها على العموم - كما هو الأصل - إذ لا دليل على التأويل أو التخصيص . انظر : « كشف الأسرار » ( 1 / 68 وما بعدها ) ، « التوضيح » ( 1 / 131 وما بعدها ) ، « أصول السرخسي » ( 1 / 236 ) . كذلك لا يقال إنه لو كانت أموال المسلمين باقية على ملكهم ، رغم إخراجهم من ديارهم ، لأطلق عليهم القرآن الكريم كلمة « أبناء السبيل » وهم من انقطعت بهم صلتهم بأموالهم لبعدهم عنها ، ولم يسمهم « فقراء » فدل ذلك على أنهم فقراء حقيقة قد زالت ملكيتهم عنها ، لأنا نقول : إن ابن السبيل هو « المسافر » الذي انقطعت به الطريق ، ونفذ ماله ، وله طماعية في الرجوع إلى بلده ، لتمكنه من ذلك ، وهذا مفهوم يختلف عمن أُخرج من دياره وأمواله عنوة ، وليس في وسعه أن يعود إليها ، لذا صح اعتباره كأنه فقير ، أضف إلى ذلك أنهم قد توطنوا بالمدينة . انظر : « كشف الأسرار » ( 1 / 69 ) ، « حاشية الإزميري على المرآة » ( 2 / 76 ) . ووصفهم بكونهم فقراء مجازاً ، لا يشعر بزوال ملكيتهم عن ديارهم وأموالهم ، بل يفيد ثبوتها لهم ، بقرينة إضافتها إليهم ، ولأن في إطلاق هذه الكلمة عليهم ، إثارة للتعطف الداعي إلى رعايتهم ، وتدبير مصالحهم ، والاهتمام بشؤونهم ، تخفيفاً لوطأة الظلم عنهم ، وتحقيقاً لما تقتضيه الأخوة نحوهم » . قلت : وانظر نصرة هذا الاختيار في « أحكام أهل الذمة » ( 1 / 291 ) ، « الزاد » ( 5 / 76 ) ؛ كلاهما لابن =