محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

324

الإنجاد في أبواب الجهاد

الخاص ، ومنعه في العام ، وقال فيه : « إلا أن يكونوا يوم هادنوا قد اشترطوا ذلك » ، فأجازه إذا وقع العقد عليه ؛ لأنَّ العهد لم يتناولهم إلا على ذلك ، فلم يكن فيه إخلال بشيءٍ ثبت لهم في عقد الأمان . وقد رَوَى ابن القاسم عن مالك في « المدونة » ( 1 ) ما يخالف بعض ما في هذه الرواية ، فقال : إذا كان الأصل في الهُدنة مثل السنة والسنتين فجائز أن يشتروا منهم أولادهم ونساءهم . فأقول : قد لا يخالف شيء من ذلك القانون الذي أشرنا إليه ، أما الرواية الأولى ، فراعَى في ذلك ما ينافي معنى العقد في الهدنة الواقعة مطلقاً ، من غير التفاتٍ إلى تأثير طول مدة الهدنة أو قصرها . أما الرواية الأخرى ، فكأنه رأى فيها قصر المدة في الهدنة دليلاً على رفض الاستنامة إليها ، وترك الاعتداد بالموادعة العارضة فيها ، فلم يتضمن مراعاة حفظ المصالح على الإطلاق في الحال والمآل ، وتوقّي ما يقدح في عواقب الأحوال ، فكان للمدة القريبة في ذلك حكم الخصوص . هذا وجه هذه الرواية عندي ، والرواية الأولى في التسوية ؛ فتسوية المدة البعيدة والقريبة في ذلك أرجح ، والله أعلم . وقال الأوزاعي ( 2 ) في مصالحة الإمام أهل الحرب : « لا بأس أن يصالحهم على عدد سَبْيٍ يؤدونهم إلى المسلمين ، قيل له : فإن كانت تلك الرؤوس والسبي من أبنائهم وأحرارهم يبعث بهم ملكهم إليهم ؟ ، قال : لا بأس به ، ولا يضره ، من أحرارهم كان ذلك أو من غيرهم ، إذا كان ذلك الصلح ليس بصلح ذمة وخراج ، يقاتل من ورائهم ، وتجري عليهم أحكام المسلمين ، فلا بأس بذلك » . وقال أحمد في أهل الذمة يصالحون أهل الإسلام على ألف رأسٍ كل سنة ،

--> ( 1 ) انظر : « المدونة » ( 3 / 299 - ط . دار الكتب العلمية ) . ( 2 ) انظر : « اختلاف الفقهاء » للطبري ( ص 14 ) ، « الأوسط » ( 11 / 335 - 336 ) - وقد نقل المصنف هذا الكلام والذي بعده منه - ، « فتح الباري » ( 6 / 173 ) ، « عمدة القاري » ( 15 / 97 ) ، « فقه الإمام الأوزاعي » ( 2 / 421 ) .