محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
319
الإنجاد في أبواب الجهاد
أرض الإسلام أو قبل أن يصل إليها ، فيقول : جنحتُ إلى الإسلام ، أو جئتُ أطلب الفداء أو التجارة ، فقيل : لا يقبل قولهم بعد أن يُؤخذوا ؛ إذ لم يُظهروه قبل ذلك ، ويكونون فيئاً للمسلمين ، وهو قول أشهب ، وقيل : يُقبل قولهم ، أو يُردُّون إلى مأمنهم ، إلا أن يتبيَّن كذبهم ، وهو قول ابن القاسم ، وقيل بالفرق بين أن يكونوا من أهل بلدٍ عُوِّدوا الاختلاف ، لما ادعوه من الفداء أو التجارة أو الاستئمان ، فهؤلاء يقبل قولهم ، أو يردون إلى مأمنهم ، وإلا يكن ذلك : فهم فيءٌ للمسلمين ؛ قاله ابن حبيب ، وعزاه إلى مالك ( 1 ) ، ولم يختلفوا أنهم إن كانوا أظهروا ما ادعوا من ذلك قبل أن يُؤخذوا ، وقبل أن يصلوا إلى بلاد الإسلام ؛ أنهم لا سبيل إليهم ، ويقبل منهم ما ادعوا ، ويردّون إلى مأمنهم ، ففي كل هذه الأقوال مراعاة إعمال حكم الأمان فيما قصد إليه الحربي من الاطمئنان إلى المسلمين في عادتهم بالتأمين في مثل ذلك ، وإن لم يكونوا تقدموا إليه في خاصته بأمانٍ معين ؛ لأنهم كلهم رأوا ذلك لو عُلِمَ صدقه فيما ادَّعاه نافعاً له ، وإنما سبب اختلافهم في هذه الأحوال كلها هو : هل يحملون على التصديق في دعواهم ، - وقد عثر عليهم - أم لا ؟ أما من تبيَّن صدقه : فإنه يحمل على حكم الأمان ، ومن تبيّن كذبه : كان على حكم الأسرى ، ومن أشكل أمره : كان فيه الخلاف ، وطلبت له شواهد الحال . ولذلك قال مالك في « موطئه » ( 2 ) : « فيمن وُجِد من العدو على ساحل البحر بأرض المسلمين ، فزعموا أنهم تجارٌ ، وأن البحر لَفظَهم ، ولا يعرف المسلمون تصديق ذلك ، إلا أن مراكبهم تكسرت ، أو عطشوا ، فنزلوا بغير إذن المسلمين : أرى ذلك إلى الإمام ( 3 ) ، يرى فيهم رأيه ، ولا أرى لمن أخذهم فيهم خُمساً » .
--> ( 1 ) انظر : « المدونة » ( 2 / 10 - 11 ، 31 ) ، « البيان والتحصيل » ( 2 / 606 - 607 ) ، « النوادر والزيادات » ( 3 / 124 - 125 ) . ( 2 ) « الموطأ » في كتاب الجهاد ( باب ما لا يجب فيه الخمس ) ( 1 / 451 - ط . محمد فؤاد عبد الباقي ) ، وانظر : « النوادر والزيادات » ( 3 / 130 - 131 ) . ( 3 ) في مطبوع « الموطأ » : « للإمام » .