محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
315
الإنجاد في أبواب الجهاد
وقال : وقد أشكل قَتْلُه على هذه الصِّفة على بعضهم ، ولم يعرف هذا الوجه . ويحتمل عندي أن يُقال : إنه مع ذلك أمرٌ خاص ، وحُكمٌ من الله - تعالى - عدلٌ ، أذن فيه - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ، فهو خاصٌّ لا يتعدى إلى غيره ، ومما يدل على هذا المذهب ، ما وقع في الحديث من قوله : ائذن لي فلأَقُل ، قال : « قُل » ، فأتاه ، فقال : إنَّ هذا الرجل قد أراد صدقةً ، وقد عنَّانا ، . . . إلى آخر قوله . وهذا قولٌ له ظاهر الكفر ( 1 ) ، ولا يحل لمسلمٍ التلفظ به ، ولا الخديعة في الحرب مثله ، إلا أن يأذن الله لأحدٍ بعينه ، في شيءٍ بعينه ، كما أذن لهذا على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، فيكون خاصًّا ، ليس مما يتعدى بحال . وروى ابن إسحاق في كتاب « المغازي » ( 2 ) من قول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في قصيدةٍ يذكر فيها إجلاء بني النضير ، وقتل كعب بن الأشرف ؛ ما يدل على أن قتله كان بوحيٍ مخصوص ، وذلك قوله : ألستم تخافون أدنى العذابِ . . . وما آمن الله كالأخوفِ وإن تُصرعوا تحت أسيافِهِ . . . كمصرع كعب بن الأشرفِ غداة رأى الله طُغيانهُ . . . وأعرض كالجملِ الأجنفِ فَأَنزلَ جبريلَ في قتله . . . بوحي إلى عبده ملطَّفِ فدسَّ الرسول رسولاً له ( 3 ) . . . بأبيضَ ذي هُبَّةٍ مُرهفِ وقد زعم ابن المنذر ( 4 ) أن الذي يجوز أن يُقتل غِرَّةً ، هو : من لا أمان بينه
--> ( 1 ) قال الإمام النووي في « شرح مسلم » ( 12 / 161 ) : « هذا من التعريض الجائز ، بل المستحبِّ ؛ لأن معناه في الباطن : أنه أدَّبنا بآداب الشرع التي فيها تعبٌ ، لكنه تعبٌ في مرضاة الله - تعالى - ، فهو محبوبٌ لنا ، والذي فَهِم المخاطب منه : العناء الذي ليس بمحبوب » . اه كلامه - رحمه الله - . ( 2 ) المُسمّى بكتاب : « المبتدأ والمبعث والمغازي » ، المعروف ب « سيرة ابن إسحاق » ( ص 300 - تحقيق محمد حميد الله ) ، ولي جمع موثّق لشعر عليٍّ - رضي الله عنه - ، وفيه هذه الأبيات ، يسر الله إتمامه ونشره . ( 3 ) كذا في الأصل والمنسوخ : « له » ، وفي « المغازي » : « إليه » . ( 4 ) لعلَّه في القسم المفقود من كتابه « الأوسط » .