محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
313
الإنجاد في أبواب الجهاد
رسمناه ؛ وذلك : لو أن رجلاً من المسلمين أبصر حربياً في جهةٍ ما من بلاد العدو أو غيرها ، فتظاهر المسلم بإلقاء السلاح ، وأقبل على جهة الحرب ، مُظهراً له أنه رآه ، فقصده مستسلماً أو مُسْتَنيماً إليه ، ونحو هذا ، فاطمأن الآخر إلى ذلك ، حتى أصاب المسلمُ غرَّته ، فهذا لا تجوز به الخديعة ، وهو أمانٌ ، ولو أنه عندما رآه فعل - أيضاً - من إظهار الاستنامة ، ووضع السلاح ، والإقبال إلى جهة ذلك الحربي ، مِثل ما فعل في الأولى ، إلا أنه فقط يُظهر أنه غافلٌ عن الحربي ، ومُعرض عن رؤيته بحيث لا يستشعر الحربي أنه رآه فقصده مسالماً ، لكن يوهم أنه ما شَعَرَ بمكانه ، وإن فِعْلَه ذلك فِعْلُ المستريح من حالة حمل السلاح ، إذا أمن في موضع ، ونحو ذلك ، حتى اطمأنَّ الحربي لما توهم من غفلةٍ عنه ، لا لموادعة اسْتَشْعَرَ ( 1 ) منه لكان هذا جائزاً ، وهو تورية ومكيدةٌ لا تتعلق بها خيانة ، ولا للأمان حُرمة ، والله أعلم . فصلٌ فإن اعترض معترضٌ على هذا الأصل بقتل كعب بن الأشرف ، وظاهره جواز قتل من اطمأن إليه ، بعد إظهار المسالمة والموالفة ؛ كما خرَّج مسلم ( 2 ) ، عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « من لكعب بن الأشرف ؛ فإنه قد آذى الله ورسوله ؟ » . قال محمد بن مسلمة : يا رسول الله ، أتحبُّ أن أقتله ؟ قال : « نعم » . قال : ائذن لي فلأقُل ، قال : « قُلْ » ، فأتاه ، فقال له ، وذكر ما بينهم ، وقال : إن هذا الرجل قد أراد صدقةً ، ولقد عنَّانا ، فلما سمعه قال : وأيضاً والله لَتَمُلُّنَّه ، قال : إنا قد اتبعناه الآن ، ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أيِّ شيءٍ يصير أمره . . . الحديث . إلى قوله : فاستمكن من رأسه ، ثم قال : دونكم ، قال : فقتلوه . فلأهل العلم في ذلك أقوال ؛ منها :
--> ( 1 ) أو : اسْتُشْعِرَتْ منه . ( 2 ) في « صحيحه » في كتاب الجهاد والسير ( باب قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود ) ( 1801 ) ( 119 ) . وقد مضى .