محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

282

الإنجاد في أبواب الجهاد

يفعل ، بل ذلك واجبٌ على الإمام إن هو عَجَزَ عن استنقاذهم بالقتال ؛ لأنَّ افتداء المسلمين واجبٌ بالكتاب والسُّنَّة والإجماع ، قال الله - تعالى - : { وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ } - يعني : افتداء الأسارى هو مما كتبه الله تعالى - { وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } [ البقرة : 85 ] يعني : قتالهم وإخراجهم . وفي البخاري ( 1 ) ، عن أبي موسى قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « فُكُّوا العاني - يعني : الأسير - وأطعموا الجائع ، وعودوا المريض » . والإجماع على وجوب فَكِّ الأسير ؛ ذكره أبو محمد بن حزم ( 2 ) . وسئل مالك : أواجبٌ على المسلمين افتداء من أُسِرَ منهم ؟ قال : نعم ؛ أليس واجباً عليهم أن يقاتلوا حتى يستنقذوهم ؟ فقيل : بلى . قال : فكيف لا يفتدونهم بأموالهم ! قيل : أراد مالكٌ قول الله - تعالى - : { وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا } [ النساء : 75 ] ، نزل في قتال أهل مكة لاستنقاذ من فيها من المستضعفين . قال مالك : وإن لم يقدروا على فدائهم إلا بكلِّ ما يملكون ، فذلك عليهم ( 3 ) . ولم يختلف العلماء في وجوب استنقاذهم ؛ إما بالقتال ، وإمَّا بالفداء ، وإنما اختلفوا على من تكون فديتهم ؛ قال ابن المنذر : رُوِّينا عن عمر بن الخطاب أنه قال : واعلموا أنَّ كلَّ أسيرٍ من أَسارى المسلمين ، فإنَّ فِكاكَهُ من بيت مال المسلمين ( 4 ) .

--> ( 1 ) في « صحيحه » في كتاب الجهاد والسير ( باب فكاك الأسير ) ( رقم 3046 ) . وأخرجه بالأرقام ( 5174 ، 5373 ، 5649 ، 7173 ) . ( 2 ) في كتابه « مراتب الإجماع » ( ص 142 ) . ( 3 ) انظر : « النوادر والزيادات » ( 3 / 301 ) ، « البيان والتحصيل » ( 3 / 80 ) ، « الأوسط » لابن المنذر ( 11 / 240 ) وهو قول الأوزاعي - أيضاً - . ( 4 ) رواه ابن أبي شيبة في « مصنفه » ( 12 / 420 رقم 15109 ) ، وابن المنذر في « الأوسط » ( 11 / 238 رقم 6640 ) من طريق حفص بن غياث ، عن محمد بن أبي حفصة ، عن علي بن زيد بن =