محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
265
الإنجاد في أبواب الجهاد
الجمع في ذلك أن الله - تعالى - يقول : { فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [ التوبة : 5 ] ، فعموم هذا يقتضي القتل في كل مشرك قبل الإسار وبعده ، إلاَّ أن يُخَصِّصَه دليلٌ ، وكذلك قوله - تعالى - : { فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ } [ الأنفال : 57 ] ، وقال - تعالى - : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ } [ الأنفال : 67 ] ، فكان استحياء الأسرى قبل الإثخان محظوراً ، كما دلَّ عليه عموم آية السَّيف ، وكان في ظاهر الخطاب من هذه الآية ترخيصٌ في اتخاذ الأسرى بعد الإثخان ، وقال - تعالى - : { فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً } [ محمد : 4 ] ، ففي هذا إباحته بعد الإثخان تصريحاً ، فكان بياناً لما تقدم ، وتخصيصاً لعموم ذلك ، وليس قوله - تعالى - : { فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً } [ محمد : 4 ] على معنى أنه واجب ، حتى لا يتصرف في الأسير إلا بذلك ، فيكون القتل ممنوعاً فيه ، لكن هو على معنى التخصيص ؛ لعموم الأمر بإيجاب القتل حيثما ثُقِفُوا ، فهو إباحةٌ للاستحياء في حال الأسر من غير منع القتل . ويدل على أنه إباحةٌ لا وجوب : قوله - تعالى - : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ } [ الأنفال : 67 ] فجعل ذلك له ، ولو كان واجباً لقيل : عَليه ، فإن نوزع في شيءٍ من ذلك على مذهب من لا يراه ، عُضد هذا التأويل بما ثبت من قتلِ النبي - صلى الله عليه وسلم - عقبة بن أبي مُعيطٍ ، والنَّضرِ بن الحارث ، من جُملة أسارى بَدرٍ ( 1 ) ،
--> = 474 ) ، « مجمع الأنهر » ( 2 / 423 ) ، « البحر الرائق » ( 5 / 140 ) ، « تبيين الحقائق » ( 3 / 249 ) ، « المبسوط » ( 10 / 138 ) ، فعندهم أن ليس للإمام أن يمنّ على الأسرى ، فيترك قتلهم ؛ لأن فيه إبطال حق الغزاة ، من غير نفعٍ يرجع إليهم ، ولا يجوز عند أبي حنيفة أن يفادي بهم أسرى المسلمين ، ويجوز ذلك عند أبي يوسف ، ومحمد بن الحسن الشيباني . ونقل الزيلعي في « تبيين الحقائق » عن أبي حنيفة أنه لا بأس بأن يفادى بهم أسارى المسلمين . ( 1 ) أخرجه ابن أبي شيبة في « المصنف » ( 8 / 477 رقم 40 - ط . دار الفكر ) من طريق شعبة ، وأبو عبيد في « الأموال » ( ص 171 رقم 345 ) ، وأبو داود في « المراسيل » ( ص 248 رقم 337 ) من =