محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

240

الإنجاد في أبواب الجهاد

فالأظهر توقي استعمال ما لا يؤمن فيه إصابتهم ، فإن علم أن ذلك لا يصيب الأسرى ، فلا بأس ، وذلك لأن حديث الصَّعب بن جثَّامة لم يجرِ فيه ذكر مُسلمٍ ، إنما هو في نساء المشركين وأبنائهم ، فلا يستباح بذلك الاجتراء في أمر المسلمين ، وأظهرُ من هذا والأتمُّ حُجَّةً قول الله - تعالى - في تأخير القتال عن أهل مكة عام الحديبية { وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } [ الفتح : 25 ] . فهذا نصٌّ في وجوب التَّوقِّي ، فإن قيل : إنَّ ذلك خاصٌّ بأهل مكة ، فهودعوى ؛ لأن الله - تعالى - إنما جعل الحرمة في ذلك للإيمان لا للبلد ، وهذا التفصيل والفرق الذي اخترناه إنما نَعْني به الحُكمَ في قتال الحصون ، وحيث لا ضرورة تدعو المسلمين لكسر العدو ومدافعتهم ( 1 ) ، وأما عند لقاء جيوش المشركين ، وفيهم أُسارى من المسلمين ، فأرجو - إن شاء الله - أن يكون كل شيءٍ مما يُنْكَى به العدو سائغاً ، سواء أُمن أن يصيب الأسرى من ذلك شيءٌ أوْ لا ، إلا أنهم لا يُتَعَمَّدون ، ويُتحفَّظ عنهم بقدر الوسع ، وذلك أنَّ في الكفِّ عن القتال ، وترك الدفاع في مثل هؤلاء الذين بَرزوا للمسلمين هلاكاً للناس ، وتمكيناً لأهل الكفر من الإسلام { وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } [ النساء : 141 ] ، وهذا كلّه ما لم يتترس الكفار بالمسلمين ، فإن تترسوا بهم ، بحيث لا يمكن قتالهم إلا من وراء قتل مسلم ، فالأرجح الذي نختاره الكفُّ جُملةً ، والقتال لا نراه على حال من غير تفصيلٍ في قتال الحصون أو الجيوش ؛ لأن ذلك إن لم تكن ضرورة ، فلا خفاء به ، وإن كانت ضرورة بحيث يُبْقي المسلمون على أنفسهم في الكفِّ عن القتال ، فذلك - أيضاً - موجودٌ إذا قاتلوا بقتلهم المسلمين الذين تترس بهم العدو ، من غير حقٍّ وجب عليهم مُبيحٍ لدمائهم ، وليس لأحدٍ أن يقتل

--> ( 1 ) وكذا للحاجة ، وكما هو مقرر في القواعد الفقهية أن « الحاجة تنزل منزلة الضرورة » . انظر : « شرح القواعد الفقهية » لأحمد الزرقا ( ص 155 ) .