محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

215

الإنجاد في أبواب الجهاد

وهذا هو الصحيح ؛ لأن نَصَّ القرآن إنما جاء بالعدد . وقيل : إن ذلك راجعٌ إلى الجَلَد والقوة ، فإذا كان المشركون أشدَّ سلاحاً ، وأظْهَرَ جَلَداً وقوة ، والمسلمون في ضَعْفٍ من أبدانهم ، ودوابهم ، وسلاحهم ، بالأمر البيِّنِ المجاوزِ لحدِّ المثلين في القوة ، فخافوا أن يغلبوهم ؛ لم يجب عليهم الثبوت ، وكانوا في سعةٍ من التولِّي عنهم ، وإن كان المشركون أقل من مثليهم عدداً ، وهو قول ابن الماجشون ، ورواية عن مالك ، وبه قال عبد الملك بن حبيب ( 1 ) . وأما الموضع الثالث ؛ وهو : هل لجمع المسلمين الذين يباح لهم الفرار عند زيادة المشركين على مثلهم ( 2 ) حَدٌّ ( 3 ) ، إذا انتهى المسلمون إليه ، حَرُمَ الفرار أبداً ، وإن عظمَ جمعُ الكفار ، أو ذلك مطلق لكلِّ جَمعٍ من غير تحديد ؟ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ ذلك مُطْلق ، وأنَّ كُلَّ جَمعٍ من المسلمين بالغاً من العدَّة والكثرة ما بلَغَ ، إذا لاقوا أكثر من ضِعْفهم من الكُفَّار ، لهم سَعَةٌ في أن يُوَلُّوا إذا خشوا الغلبة ، وعليه مذهب الشافعي وأصحابه ( 4 ) ، ودليل هؤلاء ، أن الله - تعالى - فَرضَ الصَّبر على المثلين دون ما زاد على ذلك فَرْضاً مُطلقاً ، لا يختصُّ به عددٌ دون عدد ، وذهب قومٌ إلى أنه لا يُباح الفرار عَمَّا فوق الضِّعف من الكفار ، إلا لمن لم يبلغ جمعهم من المسلمين اثني عشر ألفاً ، فإذا بلغ جمع المسلمين اثني عشر ألفاً ، فقد انْحَتَم العَزْمُ ، ولزم الصَّبْر ، وحَرُمَ حينئذٍ الفرار ، بالغاً

--> ( 1 ) انظر : « قدوة الغازي » ( 197 - 198 ) ، « النوادر والزيادات » ( 3 / 50 ) ، و « الذخيرة » ( 3 / 410 ) ، وإليه ذهب ابن الماجشون في « الواضحة » . نقله ابن رشد في « بداية المجتهد » ( 1 / 387 ) ، والقرطبي في « تفسيره » ( 7 / 389 ) ، وانظر : « التحرير والتنوير » ( 21 / 215 ) . وهو مذهب الشافعية - أي : اعتبار الضعف راجع إلى الجلد والقوة - ، انظر : « روضة الطالبين » ( 10 / 248 - 249 ) ، « مغني المحتاج » ( 4 / 226 ) ، « تحرير الأحكام » لابن جماعة ( ص 180 ) . ( 2 ) كذا في الأصل والمنسوخ ، والأصوب أن يقال : « مثليهم » . ( 3 ) في الأصل : « حدًّا » ، ومصححة في المنسوخ : « حدٌّ » . ( 4 ) « الأم » ( 4 / 169 ) ، « روضة الطالبين » « 10 / 248 ) ، « مغني المحتاج » ( 4 / 226 ) .