محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

205

الإنجاد في أبواب الجهاد

أما دعوى النسخ فلا دليل عليه ؛ لأن الجمع بين آية النهي عن التولية ، وآية ثبوت المئة للمئتين واضح ، بل لا تعارض بينهما البتَّة ؛ لأن آية الثبوت للضِّعف لم يُبَحْ فيها بحالٍ الانهزامُ والتوليةُ أمام الكفار ، وهل تَضَمَّنتْ من دليل الخطاب الترخيصَ فيما فوق الضِّعف ؟ هذا فيه لأهل العلم خلاف نذكره بعد هذا - إن شاء الله - . فإذاً ، حُكمُ الآية في النهي عن التولية باقٍ مُحْكم ، وإنما كان يكون النَّسْخُ لو رُفِعَ حُكْمُ النّهي عن الفرار البتة ، لكن تكون الآية المأمور فيها بالثبوت للضِّعف مخصصة عند قوم ؛ لعموم النهي عن التولية مطلقاً ، اللهم إلا أن يقال : إن آية النهي عن التولية كانت عامة في اللفظ والمعنى ، فكان الفرض أولاً إيجاب الثبوت مطلقاً ، والنهي عن التولية في لقاء الكثرة والقلَّة ، ثم نسخ عموم ذلك بآية الثبوت للضِّعف دون ما زاد عليه ، فهذا وجه من النَّسْخ صحيحٌ إن سَلِم فيه أمران : أحدهما : إن الفرض كذلك كان على العموم في أول الإسلام . والثاني : إن في آية الثبوت للضِّعف ما يدلُّ على إباحة التولية عمَّا فوق الضِّعف ، وعلى هذا يجيء مذهب من قال بالنَّسخ ؛ لأنه لا يصح القول به إلا كذلك ، وإذا حُمِلَت الآية في النهي عن التولية على ظاهرها من الإطلاق والعموم في اللفظ والمعنى ، فَعَنْه ينشأ الخلاف الذي أشرنا إليه ، فيكون عند قوم ذلك باقياً مُحكماً على كل حال ، ولا نسلِّم ما يُدَّعى في ذلك من نسخ ذلك العمومِ ، أو تخصيصه عند قوم بأنه الثبوت للضِّعف ؛ لأن آية الثبوت للضِّعف لم يُتعرَّض فيها لشيءٍ من ذلك بنسخٍ ولا تخصيص ، فيكون هذا قولاً رابعاً في الآية ، وعليه يجيءُ مذهب أهل الظاهر ( 1 ) . وأما قول من ذهب إلى أن الآية في أهل بدرٍ خاصَّة ، وأن حكم ذلك لا يتناول غيرهم ، فدعوى من غير دليل ؛ لأنَّ الخطاب بذلك عامٌّ في جميع المؤمنين ،

--> ( 1 ) انظر : « المحلى » ( 7 / 292 - 293 ) .