محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

194

الإنجاد في أبواب الجهاد

- حال اضطرار ، وذلك حيث يحيط به العدو ، فهو يخاف تَغَلُّبَهم عليه ، وأَسْرَهُم إياه ، فذلك جائزٌ أن يحمل عليهم باتفاق . - وحالٌ يكون فيها في صفِّ المسلمين ومنعتهم ، فيحمل ؛ إرادةَ السُّمعة والاتصافَ بالشَّجاعة ، فهذا حرام باتفاق . - وحالٌ يكون كذلك مع المسلمين ، فيحمل غضباً لله ، مُحتسباً نفسه عند الله ، ففي هذا اختلف أهل العلم ، فمنهم من كَرِهَ حَمْلَه وحده ، ورآه مما نهى الله عنه من الإلقاء باليد إلى التهلكة ، ومنهم من أجاز ذلك واسْتَحْسَنه ، إذا كانت به قوة ، وفي فِعله ذلك منفعةٌ ، إمَّا لنكاية ( 1 ) العدوِّ أو تَجرئةِ المسلمينَ ؛ حتَى يفعلوا مثل ما فَعَل ، أو : إرهابِ العدوِّ ؛ ليعلموا صلابة المسلمين في الدِّين ( 2 ) .

--> ( 1 ) مكتوب في هامش المنسوخ : « لعلها : بنكاية » . ( 2 ) تكاد تجمع كلمة الفقهاء على جواز ذلك ، بل حكى ابن أبي زمنين في « قدوة الغازي » ( ص 198 ) الإجماع عليه ، ونصّ عبارته : « قال ابن حبيب : ولا بأس أن يحمل الرجل وحده على الكتيبة وعلى الجيش إذا كان ذلك منه لله ، وكانت فيه شجاعة وجلدٌ وقوةٌ على ذلك ، وذلك حسن جميل لم يكرهه أحد من أهل العلم ، وليس ذلك من التهلكة ، وإذا كان ذلك منه للفخر والذكر فلا يفعل وإن كانت به عليه قوة ، وإذا لم يكن به عليه قوةٌ فلا يفعل وإن أراد به الله ؛ لأنه حينئذٍ يلقي بيده إلى التهلكة » . وجاء في « البيان والتحصيل » ( 2 / 564 ) ما يلي : « قال أشهب : وسئل مالك عن رجل من المسلمين يحمل على الجيش من العدو وحده ، قال : قال الله - تعالى - : { الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً } فجعل كل رجلٍ برجلين بعد أن كان كل رجل بعشرة ، فأخاف هذا يلقي بيده إلى التهكلة وليس ذلك بسواءٍ أن يكون الرجل في الجيش الكثيف فيحمل وحده على الجيش ، وأن يكون الرجل قد خلفه أصحابه بأرض الروم أحاطوه فتركوه بين ظهراني الروم ، فهو يخاف الأسر فيستقتل فيحمل عليهم ، فهذا عندي خفيف ، والأول عندي في كثفٍ وقوة ، وليس إلى ذلك بمضطر ، يختلف أن يكون الرجل يحمل احتساباً بنفسه على الله ، كما قال عمر بن الخطاب : الشهيد من احتسب نفسه على الله ، أو يكون يريد بذلك السمعة والشجاعة . قال محمد بن رشد : أما إذا فعل ذلك إرادة السمعة والشجاعة ، فلا إشكال ولا اختلاف في أن ذلك من الفعل المكروه ، وأما إن اضطر إلى ذلك بإحاطة العدو به ، ففعله مخافة الأسر ، فلا اختلاف في أن ذلك من الفعل الجائز ، إن شاء أن يستأثر ، وإن شاء أن يحمل على العدو ويحتسب نفسه على الله ، =