محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
182
الإنجاد في أبواب الجهاد
فَلِمِثْلِ هذا المعنى يحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ذلك ، ألا تَرَى إلى قوله : « واسألوا الله العافية » ، أي : لا تتمنوا المكاره ، وأنتم لا تعلمون ما يؤول أمركم إليه فيها ، ثم أمر - صلى الله عليه وسلم - بالصَّبْر إذا وقع الابتلاء بذلك من الله - تعالى - ، فذلك هو المنجاة والفوز في الآخرة والدنيا ، فهذا وجهٌ ظاهرٌ حسنٌ ، هو عندي أرجحُ وأَولَى وأَبْيَنُ في حملِ الكلام على هذا المعنى ، والله أعلم . في دواعي الصبر والتفويض ، وما يستحب من الشجاعة ويُذمُّ من الجُبن قال الله - تعالى - : { قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ . قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ } [ التوبة : 51 - 52 ] ، وقال - تعالى - : { أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ } [ النساء : 78 ] ، وقال - تعالى - : { قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ } [ آل عمران : 154 ] ، وقال - تعالى - : { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً } [ آل عمران : 145 ] . خرَّج مسلم ( 1 ) ، عن أنسٍ ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسنَ الناس ، وكان أجودَ الناس ، وكان أشجعَ الناس ، ولقد فزع أهلُ المدينة ذات ليلة ، فانطلق ناسٌ قِبَلَ الصوت ، فتلقاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راجعاً ، وقد سبقهم إلى الصوت ، وهو على فرسٍ لأبي طلحة عُرْيٍ ، في عُنقه السيف ، وهو يقول : « لم تُراعوا ، لم تُراعوا » . قال : « وجدناه بَحْراً - أو : إنه لَبَحْر - » . قال : وكان فرساً يُبَطَّأ .
--> = وهو - بغير إسناد - في « العقد الفريد » ( 1 / 94 ) . ( 1 ) في « صحيحه » في كتاب الفضائل ( باب في شجاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وتقدمه للحرب ) ( 2307 ) ( 48 ) . وأخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير ( باب الشجاعة في الحرب والجبن ) ( رقم 2820 ) . و ( باب الحمائل وتعليق السيف بالعنق ) ( رقم 2908 ) . و ( باب إذا فزعوا بالليل ) ( رقم 3040 ) . وفي كتاب الأدب ( باب حسن الخلق والسخاء ، وما يكره من البخل ) ( 6033 ) .