محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

179

الإنجاد في أبواب الجهاد

الباب الرابع في وجوب الثبوت والصبر عند اللقاء ، وحكم المبارزة ، وما يحرم من الانهزام ، وهل يباح الفرار إذا كثر عدد الكفار ؟ قال الله - عز وجل - : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلحُونَ . وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ الأنفال : 45 - 46 ] . قد جمعت هاتان الآيتان من الأمر والنهي ، في الوجوب والحَظْر ، وآداب القيام بالحرب ؛ ما هو العُمدة ، ونظام الأركان ، وسبب النَّصر والفوز بالأجر . أمر - سبحانه - بالثبوت والصبر ، وهو مدَدُ الظفر والنَّصر ، وبالإكثار من ذكر الله - تعالى - هنالك ؛ حتى لا يغفل في عمله وجهاده عن تعاهد إرادة وجه ربِّه - سبحانه - ، وفي ذلك دَرْكُ الفوز ، وجماع البركة والخير ( 1 ) ، قيل : ويكون الذكر هناك بالنيِّة والقول ؛ لأن رَفْعَ الصوت في موطن القتال مكروه ، قيل : إلا عند الحملة الجامعة ، يُراد بها استئصال قوة العدو ، وقد يكون في ذلك تَزيُّدُ الإرهاب على العدو ، واستجماعٌ لعزائم أهل الحملة . ثم أمرَ تعالى بالتزام طاعته ، وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك ملاكُ الأمر في العمل ، وقوام الحكمة بطاعة الإمام في مواطن الحرب ، ونهى - سبحانه - عن التنازع والخلاف ، وهما سَبَبُ الفشل واختلال الأمر لا محالة ، كما أعلم سبحانه في الآية ، وقال الله - تبارك وتعالى - : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ آل عمران : 200 ] .

--> ( 1 ) انظر : « الوابل الصيب » ( ص 90 - ط . الفرقان ) .