محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
175
الإنجاد في أبواب الجهاد
كان كُفْرُهم تعطيلاً أو شركاً ، وبإثباتِ النبوة والرسالة لمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - على كل أنواع الكفر ، من كان منهم يُقرّ لله ، أو يُشركُ ، أو يُعطِّل ، والإيمانَ بجميع ما جاء به - صلى الله عليه وسلم - ، وإبطالَ كل ما خالفه ، فإذا هم أقرُّوا بذلك ، صحَّ إيمانهم ، ووجب الكَفُّ عنهم ، فمن أبى بعد ذلك عن التزامٍ بشيءٍ من فروع الشريعة في حدود الإسلام ، فإن كان جَحْداً ؛ فهو ارتدادٌ ، يُقتل على كل حال ، إلا أن يُراجع الإسلام ، وإن كان مقرًّا بثبوته ثم لا يفعله ؛ فهو فاسق ، وأحكام عقوبته تختلف بحسب الفرع الذي يترك . وأما إن أبَوْا من قبول الإسلام على ما وصفناه ، فمن كان منهم من أهل الكتاب : اليهود ، والنصارى ، أو المجوس ؛ دُعوا إلى أداء الجزية بلا خلاف ، فإن أجابوا إلى ذلك - على الشروط التي نذكرها إن شاء الله في ( باب الجزية ) - ، قُبِل منهم ، وحَرُمَ قتالهم ، وكذلك لو كانوا هم الذين سألوا قبول ذلك منهم ، وَجَبَتْ إجابتهم والكفّ عنهم ، فإن لم يجيبوا إلى شيءٍ من ذلك ، فقد وجب السَّيف . وأمَّا إن كانوا من غير أهل الكتاب : اليهود ، والنصارى ، والمجوس ، ففي قبول الجزية منهم خلاف ؛ فمن رأى أنها تؤخذ منهم عَرَض ذلك - في الدعوة - عليهم ، ومن لم يُجز قبول ذلك إلا من أهل الكتاب ؛ لم يعرضه عليهم ، ولم يجبهم إليه إن سألوه . والدليل على صحة ذلك كلِّه : ما خرَّجه مسلم ( 1 ) ، عن بُريدة ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمَّر أميراً على جيش أو سريَّة ، أوصاه في خاصَّته بتقوى الله ، ومن معه من المسلمين خيراً ، ثم قال : « اغزوا باسم الله ، في سبيل الله ، قاتلوا من كفرَ بالله ، اغزوا ولا تَغُلُّوا ، ولا تَغْدُروا ، ولا تُمثِّلُوا ، ولا تَقْتُلوا وَليداً ، وإذا لقيتَ عدوَّك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال - أو : خلال - فأيَّتهنَّ ما أجابوكَ فاقبل منهم ، وكُفَّ عنهم ، ثم ادْعُهم إلى الإسلام ، فإن أجابوك فاقبل منهم وكُفَّ
--> ( 1 ) في « صحيحه » في كتاب الجهاد والسيّر ( باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ، ووصيته إياهم بأدابِ الغزو وغيرها ) ( 1731 ) ( 3 ) .