أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي

13

ملاك التأويل

فورد الجواب بقوله : " فلله الحمد " . فالآية كالآية ، والمقدر المدلول عليه كالمنطوق ، والإيجاز مستدع لذلك . ولما تقدم ذكر الملك في آية غافر منطوقاً به لم يحتج إلى إعادة ذكره ، فقيل : " لله الواحد القهار " ولم يقل : فلله الملك لتقدم ذكره . ولما كان الحمد في سورة الجاثية لم يتقدم ذكره ، وإنما هو مقدر يدل عليه السابق لم يكن بد من الافصاح به في الجواب فقيل : فلله الحمد ولأجل ما قصد من تقريع المكذبين وتوبيخهم عند انقطاع الدعاوى ووضوح الأمر أتبع حمده تعالى بقوله : " رب السماوات ورب الأرض رب العالمين " . فذكر ربوبته تعالى لما أبداه وأوجده من أعظم مخلوقاته وأبدع مصنوعاته ، قال تعالى : " لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس " وأعاد ذكر ربوبيته مع كل من هذه المخلوقات العظام ، المنصوبة للاستدلال بها والاعتبار بعظيم خلقها وما فيها ، فقال : " رب السماوات ورب الأرض " ثم أتبع بما يعم ربوبيته لذلك كله فقال : " رب العالمين " . والعالم ما سواه سبحانه من جميع مخلوقاته ثم قال : " وله الكبرياء في السماوات والأرض " أي الانفراد بالعظمة والجلال والخلق والأمر ، وهو العزيز الذي ذل كل مخلوق لعزته وقهره ، الحكيم في أفعاله الذي جلت حكمته عن أن تدرك الأفهام غاياتها أو يحيط ذوو التفكر بنهاياتها فناسب ما ورد هنا من الإطالة بتكرر - ما ذكر - مقصود الآية ، وذلك هو الجاري متى قصد تعنيف المشركين ومن عبد مع الله غيره وهو وارد في غير ما موضع من كتاب الله تعالى وتكرير لفظ " رب " في قوله : " ورب الأرض " . مما يشهد لهذا الغرض من قصد تقريع الجاحدين . ولما كان الوارد في أم القرآن خطاباً للمؤونين وتعليما للمستجيبين مجردا عما قصد في آية الجاثية من توبيخ المكذبين ورد على ما قدم من الاكتفاء . وكل على ما يجب ويناسب . والجواب عن السؤال الثاني : إن وجه تخصيص السور الخمس بما افتتحت به من حمده تعالى ما ذكر آنفا . أما أم القرآن فهي أول السور ومطلع القرآن العظيم بالترتيب الثابت فافتتاحها بحمده تعالى بين . أما سورة الأنعام فمشيرة إلى إبطال مذهب الثنوية ومن قال بمثل قولهم ممن جعل الأفعال بين فاعلين إلى ما يرجع إلى هذا وقد بسطت هذا في كتاب البرهان . وإذا كانت هذه السورة مشيرة إلى ما ذكر وانفردت بذلك فافتتاحها بحمده تعالى بين وفى الجواب عن السؤال الثاني لهذا زيادة بيان . وأما سورة الكهف فكذلك لبنائها على قصة أصحاب الكهف وذكر ذي القرنين حسبما ألفت يهود لسائلهم من كفار قريش وذلك مما لم يتكرر في القرآن فافتتحت بحمده تعالى وذلك