ابن أبي الدنيا

81

صفة الجنة

يَتَحَدَّثُونَ إِذْ جَاءَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَقُودُونَ نُجُبًا جُبِلَتْ مِنَ الْيَاقُوتِ ثُمَّ تُنْفَخُ فِيهَا الرُّوحُ مَزْمُومَةً بِسَلَاسِلَ من ذهب كأن وجوهها الْمَصَابِيحُ نَضَارَةً وَحُسْنًا وَبَهَاءً وَبَرُهَا خز أحمر ومرعزي أبيض مخلطات لَمْ يَنْظُرِ النَّاظِرُونَ إِلَى مِثْلِهَا حُسْنًا ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مَهَابَةٍ نجبا من غير رياضة عليها رحائل ألواحها من الدر والياقوت مفصصة بِاللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانُ صَفَائِحُهَا مِنَ الذَّهَبِ الأحمر ملبسة بالعبقري والأرجون فَأَنَاخُوا لَهُمْ تِلْكَ النُّجُبَ ثُمَّ قَالُوا لَهُمْ إِنَّ رَبَّكُمْ يُقْرِئُكُمُ السَّلَامَ وَيَسْتَزِيرُكُمْ لِيَنْظُرَ إِلَيْكُمْ وَتَنْظُرُونَ إليه تكلمونه ويكلمكم وتحيونه ويحييكم وَيَزِيدَكُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَسَعَتِهِ إِنَّهُ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَفَضْلٍ عَظِيمٍ فيتحول كل رجل منهم عن رَاحِلَتِهِ ثُمَّ يَنْطَلِقُونَ صَفًّا مُعْتَدِلًا لَا يَفُوتُ شَيْءٌ مِنْهُمْ شَيْئًا ولا تفوت أُذُنُ نَاقَةٍ أُذُنَ صَاحِبَتِهَا فَلَا يمرون بشجرة من شجرة الْجَنَّةِ إِلَّا أَتْحَفَتْهُمْ مِنْ ثَمَرِهَا وَرَحَلَتْ عَنْ طَرِيقِهِمْ كَرَاهَةَ أَنْ تثلم صفهم أو نفرق بين الرجل ورفيقه فلما رفعوا إِلَى الْجَبَّارِ عَزَّ وَجَلَّ سَفَرَ لَهُمْ عَنْ وَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَتَجَلَّى لهم في عظمته العظيم يحيهم فِيهَا بِالسَّلَامِ قَالُوا رَبَّنَا أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ وَلَكَ حَقُّ الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ قَالَ لَهُمْ رَبُّهُمْ إِنِّي أَنَا السَّلَامُ وَمِنِّي السَّلَامُ وَلِي حَقُّ الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ فَمَرْحَبًا بِعِبَادِي الَّذِينَ حَفِظُوا وَصِيَّتِي وَرَعَوْا عَهْدِي وَخَافُونِي بِالْغَيْبِ وَكَانُوا مِنِّي عَلَى كُلِّ حَالٍ مُشْفِقِينَ قَالُوا أَمَا وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ وَعُلُوِّ مَكَانِكَ مَا قَدَرْنَاكَ حَقَّ قَدْرِكَ وَلَا أدينا لك كل حقك فأذن لنا بالسجود لك قال لهم ربهم إني قد وضعت عنكم مؤونة العبادة وأرحت لكم أبدانكم فطال ما أنصبتم لي الأبدان وأعنيتم لي الوجوه وأظمأتم لِيَ الْأَفْوَاهَ وَأَخْمَصْتُمْ لِيَ الْبُطُونَ فَالْآنَ أَفْضَيْتُمْ إِلَى رَوْحِي وَرَحْمَتِي وَكَرَامَتِي فَاسْأَلُونِي مَا شِئْتُمْ وَتَمَنَّوْا عَلَيَّ أُعْطِكُمْ أَمَانِيَكُمْ فَإِنِّي لَا أَجْزِيكُمُ الْيَوْمَ بِقَدْرِ أَعْمَالِكُمْ وَلَكِنْ بِقَدْرِ رَحْمَتِي