ابن أبي الدنيا
129
محاسبة النفس والإزراء عليها
130 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ ، يَذْكُرُ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ كَانَ رُبَّمَا نَظَرَ فِي الْمِرْآةِ فَيَقُولُ : « أَنَا الْمَلِكُ الشَّابُّ » قَالَ : فَنَزَلَ مَرْجَ دَابِقٍ فَمَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَفَشَتِ الْحُمَّى فِي أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ فَدَعَا جَارِيَتَهُ بِوَضُوءٍ فَبَيْنَا هِيَ تُوَضِّئُهُ إِذْ سَقَطَ الْكُوزُ مِنْ يَدِهَا قَالَ : « مَا قِصَّتُكِ ؟ » قَالَتْ : مَحْمُومَةٌ قَالَ : فَفُلَانٌ قَالَتْ : مَحْمُومٌ ، قَالَ : فَفُلَانَةُ قَالَتْ : مَحْمُومَةٌ قَالَ : « الْحَمْدُ اللَّهِ الَّذِي جَعَلَ خَلِيفَتَهُ فِي أَرْضِهِ لَيْسَ عِنْدَهُ مَنْ يُوَضِّئُهُ » ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى خَالِهِ ابْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْقَعْقَاعِ الْعَنْسِيِّ فَقَالَ : « [ الْبَحْر الْكَامِل ] قَرِّبْ وَضُوءَكَ يَا وَلِيدُ فَإِنَّمَا . . . هَذِهِ الْحَيَاةُ تَعِلَّةٌ وَمَتَاعٌ » قَالَ : فَأَجَابَهُ الْوَلِيدُ : [ الْبَحْر الْكَامِل ] فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ فِي حَيَاتِكَ صَالِحًا . . . فَالدَّهْرُ فِيهِ فُرْقَةٌ وِجِمَاعُ 131 - حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ ، حَدَّثَنِي مُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ ، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ الْهَجَرِيُّ : أَخْبَرَنِي شَيْخٌ ، مِنْ أَهْلِ هَجَرَ يُكَنَّى أَبَا صَالِحٍ قَالَ : " تَفَكَّرْتُ فِي أَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِي فَمَقَتُّ نَفْسِي فَدَمَعتَ عَيْنِي لِمَا ذَكَرْتُ ، وَسَهِرْتُ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ فَتَوَضَّأْتُ وَصَلَّيْتُ ثُمَّ أَغْفَيْتُ مَوْضِعِي فَإِذَا بِجَارِيَةٍ حَسْنَاءَ عَلَيْهَا ثِيَابٌ خَضِرٌ وَمَعَهَا شَيْءٌ شِبْهُ الْقُرْصِ الْأَبْيَضِ فَقَالَتْ : ذُقْ هَذَا فَذُقْتُهُ فَإِذَا هُوَ شُهْدٌ فَاسْتَعْذَبْتُهُ فَجَعَلَتْ تُلْقِمُنِي فَقُلْتُ : مَا ذُقْتُ مِثْلَ هَذَا فَقَالَتْ : هَذَا مِنْكَ فَإِنْ زِدْتَ زَادَوكَ فَقُلْتُ : فَسِّرِي قَالَتْ : مَقْتُكُ نَفْسَكَ عُبَادَةٌ وَفِكْرَتُكَ حَسَنَةٌ وَدَمْعَتُكَ مَسَرَّةٌ وَصَلَاتُكَ جُنَّةٌ ثُمَّ قَالَتِ : اعْمَلْ لِلْكَرِيمِ لَا تَضِيقُ بِالْكَبِيرِ وَقُلْ : يَا مُتَّسِعُ اتَّسِعْ عَلَيْنَا بِفَضْلِكَ وَأَهِّلْنَا لِأَمْرٍ لَسْنَا أَهْلَهُ فَإِنْ لَمْ نَسْتَحِقَّ الْمَغْفِرَةَ فَأَنْتَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ وَجُدْ عَلَيْنَا بِرَحْمَتِكَ فَإِنَّ مَا عِنْدَنَا يَنْفُذُ وَمَا عِنْدَكَ يَبْقَى وَنَحْنُ إِلَى الْفَنَاءِ وَأَنْتَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ثُمَّ قَالَتِ : اضْطَجِعْ فَاضْطَجَعْتُ فَنِمْتُ فَانْتَبَهْتُ فَإِذَا فِي يَدِي خِرْقَةُ حَرِيرٍ لَازَوَرْدٍ فِيهَا مَكْتُوبٌ : سُبْحَانَ مَنْ أَنْعَمَ وَشُكِرَ وَأَعْطَى مَنْ كَفَرَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَجْهَلَكَ تُطِيعُ عَدُوَّكَ وَتَعْصِي رَازِقَكَ وَفِيهِ تَيَقَّظْ مِنْ مَنَامِكِ يَا غَبِيُّ فَخَيْرُ تِجَارَةِ الدُّنْيَا التُّقَى قَالَ : فَانْتَبَهْتُ وَإِنَّهَا لَمُلْصَقَةٌ فِي رَاحَتِي "