محمد بن عبد الوهاب
72
أصول الإيمان
[ وجوب العمل وعدم التواكل ] 40 - وعن علي بن أبي طالب - رضي اللَّه عنه - قال : « قال رسول اللَّه صَلَّى اللَّه عليه وسَلَّم : " ما منكم من أحدٍ إلا وقد كتب مقعده من النّارِ ومقعده من الجَنَّةِ " قالوا : يا رسول اللَّه ! أفلا نتكل على كتابِنا وندع العمل ؟ ! قال : " اعملوا فكلٌّ ميسّر لما خلِق له ؛ أمّا من كان من أهل السّعادةِ فسييسّر لِعمل أهل السّعادة ، وأمّا من كان من أهل الشَّقاوةِ ، فسييسّر لِعمل أهل الشّقاوة ثمّ قرأ : { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى - وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى } » [ الليل : 6 ] متّفقٌ عليه .
--> 40 - رواه البخاري كتاب الجنائز ( 3 / 225 ) ( رقم : 1362 ) ، والتفسير ( 8 / 709 ) ( رقم : 4948 ، 4949 ) ، ومسلم كتاب القدر ( 4 / 2039 ) ( رقم : 2647 ) . قال البغوي ( 1 / 133 ) : قال الخطابي : قولهم : " أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل " : مطالبة منهم بأمر يوجب تعطيل العبودية وذلك إن إخبار النبي صَلَّى اللَّه عليه وسَلَّم عن سابق الكتاب إِخبار غيب علم اللَّه سبحانه وتعالى فيهم وهو حجة عليهم ، فرام القوم أن يتخذوه حجة لأنفسهم في ترك العمل ، فأعلمهم النبي صَلَّى اللَّه عليه وسَلَّم أن هاهنا أمرين لا يبطل أحدهما الآخر : باطن : هو العلة الموجبة في حكم الربوبية ، وظاهر : هو السمة اللازمة في حق العبودية ، وهي إمارة مخيلة غير مفيدة حقيقة العلم ، ويشبه أن يكون - واللَّه أعلم - إنما عوملوا بهذه المعاملة وتعبدوا بهذا التعبد ليتعلق خوفهم بالباطن المغيب عنهم ورجاؤهم بالظاهر البادي لهم والخوف والرجاء مدرجتا العبودية ليستكملوا بذلك صفة الإيمان ، ويبين لهم أن كلا ميسر لما خلق له ، وأن عمله في العاجل دليل مصيره في الآجل ، وتلا قوله سبحانه وتعالى : { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى } { وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى } وهذه الأمور في حكم الظاهر ، ومن وراء ذلك علم اللَّه عزّ وجل فيهم وهو الحكيم الخبير لا يسأل عما يفعل وهم يسألون . واطلب نظيره في أمرين من الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب ومن الأجل المضروب في العمر مع المعالجة بالطب ، فإنك تجد المغيّب فيهما علة موجبة والظاهر البادي سببا مخيلا ، وقد اصطلح الناس خواصهم وعوامهم على أن الظاهر فيهما لا يترك بالباطن .