ابن أبي حاتم الرازي
675
كتاب العلل
الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النبيِّ ( ص ) قَالَ : أَيُّمَا رَجُلٍ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ . . . ( 1 ) ؟ قَالَ أَبِي : هَذَا خطأٌ ! لَمْ يَعْمَلْ سفيانُ بْنُ حُسَيْنٍ شيءً ( 2 ) ، لا يُشبِهُ أن يكونَ عَنِ النبيِّ ( ص ) ، وأحسنُ أحواله ( 3 ) أن يكون عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَوْلَهُ ، وقد رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ( 4 ) ، عَنْ سعيد قَوْلَه ( 5 ) .
--> ( 1 ) ضبطها ناسخ ( ف ) : « يُسبَق » بضم الياء وفتح الباء ، والصواب ما أثبتناه ، وهكذا جاء الحديث هنا مُخْتَصرًا ، وتمامه : « . . . فهو قِمارٌ ، ومَنْ أَدخل فَرَسًا بَيْنَ فرسَين وَهُوَ لا يَأمنُ أن يَسبِقَ ، فليس بقِمارٍ » ؛ وانظر مصادر التخريج . ( 2 ) كذا في ( ش ) و ( ف ) ، وضُبِّب عليها في ( ف ) ، وفي ( أ ) و ( ت ) و ( ك ) : « بشيء » ، وفي " الفروسية " ، و " تهذيب السنن " ، و " إرشاد الفقيه " : « شيئًا » على الجادَّة . وما أثبتناه يخرَّج على لغة ربيعة ، وانظر تعليقنا عليها في المسألة رقم ( 34 ) . ( 3 ) في ( ت ) و ( ف ) و ( ك ) : « أحوال » . ( 4 ) هو : الأنصاري . وروايته أخرجها الإمام مالك في " الموطأ " ( 2 / 468 ) ، ومن طريقه البيهقي في " السنن الكبرى " ( 10 / 20 ) . وأخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " ( 33540 ) من طريق حفص بن غياث ، عن يحيى بن سعيد ، به . ( 5 ) قال أبو داود في " سننه " عقب الحديث رقم ( 2580 ) : « رواه معمر وشعيب وعُقيل ، عن الزهري ، عن رجال من أهل العلم ، وهذا أصح عندنا » . اه - . وممن أعلَّ الحديث : يحيى بن معين ، وأبو عبيد القاسم ابن سلام ، وابن عبد البر ؛ كما سيأتي نقله عن ابن القيم . وأعله كذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في " الفتاوى الكبرى " ( 1 / 495 ) ، و ( 3 / 90 ) حيث قال : « ومنها حديث محلل السباق : " مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ " ؛ فإن هذا معروف عن سعيد بن المسيب من قوله ؛ هكذا رواه الثقات من أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ سعيد ، وغلط سفيان بن حسين ؛ فرواه عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أبي هريرة مرفوعًا ، وأهل العلم بالحديث يعرفون أن هذا ليس من قول النبي ( ص ) ، وقد ذكر ذلك أبو داود السِّجستاني وغيره من أهل العلم ، وهم مُتَّفِقُون على أن سفيان بن حسين هذا يغلط فيما يرويه عن الزهري ، وأنه لا يُحتجّ بما ينفرد به ، ومُحَلِّل السباق لا أصل له في الشريعة ، ولم يأمر النبي ( ص ) أُمَّته بمحلل السباق . وقد روي عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وغيره : أنهم كانوا يتسابقون بِجُعْلٍ ، ولا يدخلون بينهم مُحَلِّلاً ، والذين قالوا هذا من الفقهاء ظنوا أنه يكون قمارًا ، ثم منهم من قال بالمحلِّل يَخرُجُ عن شبه القمار ، وليس الأمر كما قالوه ، بل المحلِّل مُؤَدٍّ إلى المخاطرة ، وفي المحلل ظلم ؛ لأنه إذا سَبَقَ أَخَذَ ، وإذا سُبِقَ لم يُعْطِ ، وغيره إذا سُبِق أعطى ، فدخول المحلل ظلم لا تأتي به الشريعة ، والكلام على هذا مبسوط في مواضع أخر ، والله أعلم » . اه - . وأعلَّه أيضًا ابن القيم في " تهذيب السنن " ( 3 / 400 - 402 ) ، وأطال في إعلاله سندًا ومتنًا في " الفروسية " ( ص 229 - 235 ) ، ومن جملة ما قال : « وقال ابن أبي خيثمة في " تاريخه " : سألت يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ عَنْ حَدِيثٍ سُفْيَانَ بْن حسين ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أبي هريرة عن النبيِّ ( ص ) : " مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ . . . " الحديث ؟ فقال : باطل وخطأ على أبي هريرة . وقال أبو داود في " سننه " بعد أن أخرجه : رواه معمر وشعيب وعقيل ، عن الزهري ، عن رجال من أهل العلم قالوا : من أدخل فرسًا . . . ، وهذا أصحّ عندنا . هذا لفظ أبي داود ، فلا ينبغي أن يَقتصِر المُخَرِّجُ له من " السنن " على قوله : " رواه أبو داود " ويسكُت عن تعليله له . وقد رَوَاهُ مَالِكٌ فِي " الْمُوَطَّإِ " عَنِ ابن شهاب ، عن سعيد ابن المسيب ؛ أنه قال : من أدخل فرسًا . . . ، فجعله من كلام سعيد نفسه . وكذلك رواه الأساطين الأثبات من أصحاب الزهري : معمر بن راشد ، وعقيل بن خالد ، وشعيب بن أبي حمزة ، والليث بن سعد ، ويونس بن يزيد الأيلي ، وهؤلاء = = أعيان أصحاب الزهري ؛ كلُّهم رووه عن سعيد بن المسيب من قوله . وممن أعلَّه أبو عبيد القاسم بن سلاَّم ، وأعله أبو عمر بن عبد البر في " التمهيد " وقال : هذا حديث انفرد به سفيان بن حسين من بين أصحاب ابن شهاب ، ثم أعلَّه بكلام أبي داود . وقال بعض الحفاظ : يبعد جدًّا أن يكون الحديث عند الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عن أبي هريرة مرفوعًا ، ثم لا يرويه واحد من أصحابه الملازمين له المختصين به الذين يحفظون حديثه حفظًا ، وهم أعلم الناس بحديثه ، وعليهم مداره ، وكلهم يروونه عنه كأنما من قول سعيد نفسه ، وتتوفر هممهم ودواعيهم على ترك رفعه إلى النبيِّ ( ص ) وهم الطبقة العليا من أصحابه ، المُقَدَّمون على كل من عَدَاهم ممن روى عن الزهري ، ثم ينفرد برفعه من لا يُدَانيهم ولا يقاربهم ، لا في الاختصاص به ، ولا في الملازمة له ، ولا في الحفظ ، ولا في الإتقان ، وهو معدود عندهم في الطبقة السادسة من أصحاب الزهري ؛ على ما قال أبو عبد الرحمن النسائي ، وهو سفيان بن حسين ، فمن له ذَوْقٌ في علم الحديث لا يشك ولا يتوقف أنه من كلام سعيد بن المسيب ، لا من كلام رسول الله ( ص ) ، ولا يَتَأَتَّى له الحكم برفع الحديث إلى النبي ( ص ) ، بل إما أن يرويه ويسكت عنه ، أو ينبه عليه . وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول : رفع هذا الحديث إلى النبيِّ ( ص ) خطأ ، وإنما هو من كلام سعيد بن المسيب . . . » ، ثم ذكر ابن القيم بعض كلام ابن تيمية السابق ، ثم قال : « قلت : فقد غلَّط الإمام الشافعي سفيان بن حسين في تفرده عن الزهري بحديث " الرِّجْلُ جُبَارٌ " ، فقال : روى سفيان ابن حُسَيْنٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعًا : " الرِّجْلُ الجُبار " ، ثم قال : وهذا غلط - والله أعلم - أن الحفاظ لم يحفظوا ذلك . . . ، فهذا وأمثاله مما يبيِّن ضعف رواية سُفْيَانَ بْن حسين عَنِ الزُّهْرِيِّ ، ولو تابعه غيره عند أئمة هذا الشأن وفرسان هذا الميدان ، فكيف بما تفرَّد به عن الثقات وخالف فيه الأئمة الأثبات ، ومعرفة هذا الشأن وعلله ذَوْقٌ ونورٌ يقذفه الله في القلب يقطع به من ذاقه ولا يشك فيه ، ومن ليس له هذا الذوق لا شعور له به ، وهذا كنقد الدراهم لأَرْبَابِه ؛ فيه ذوقٌ ومعرفةٌ ليستا لكبار العلماء . قال محمد بن عبد الله بن نمير : قال عبد الرحمن بن مهدي : إن معرفة الحديث إلهام . قَالَ ابْنُ نمير : صدق ! لو قلت لَهُ : من أَيْنَ قلت ؟ لم يكن لَهُ جواب . وقال أبو حاتم الرازي : قال عبد الرحمن بن مهدي : إنكارنا للحديث عند الجهال كِهانة » . اه - . وانظر " العلل " للدارقطني ( 1692 ) .