ابن أبي حاتم الرازي

468

كتاب العلل

حديثِ رسولِ الله ( ص ) بآرائهم ، كما يَكْرَهُونَ تفسيرَ القرآنِ برأيهم . وقال الهَيْثَم بْن خَارِجة ( 1 ) : سمعتُ الوليدَ ابنَ مُسْلِم يَقُولُ : سألتُ الأوزاعيَّ ( 2 ) ، وسُفْيانَ الثَّوريَّ ، ومالكَ بنَ أَنَس ، واللَّيثَ بنَ سعدٍ ؛ عَنْ هذه الأحاديثِ التي فيها الصفةُ والرُّؤيةُ والقرآنُ ؟ فَقَالَ ( 3 ) : أَمِرُّوها كما جاءتْ بلا كَيْفٍ ( 4 ) .

--> ( 1 ) أخرج روايته الخلال في " السنة " ( 313 ) ، والآجري في " الشريعة " ( 720 ) ، والدارقطني في " الصفات " ( 67 ) ، وابن بطة في " الإبانة " ( 183 / الرد على الجهمية ) ، وابن منده في " التوحيد " ( 894 ) ، والصابوني في " عقيدة السلف " ( ص 248 - 249 ) ، واللالكائي في " شرح أصول الاعتقاد " ( 875 و 930 ) ، والبيهقي في " السنن الكبرى " ( 3 / 2 ) ، و " الاعتقاد " ( 123 ) ، و " الأسماء والصفات " ( 955 ) ، وابن عبد البر في " التمهيد " ( 7 / 149 ) ، و " الاستذكار " ( 8 / 118 ) . ( 2 ) هو : عبد الرحمن بن عمرو . ( 3 ) كذا في جميع النسخ ، والجادَّة : « فقالوا » كما في مصادر التخريج ، لكنَّ ما في النسخ صحيحٌ ، ويحتمل وجهين : الأول : أنه بفتح اللام : « فقالَ » ، ويخرَّج على الحمل على المعنى بإفراد الجمع ، والمراد : فقال كلُّ واحدٍ منهم . وانظر التعليق على المسألة رقم ( 1135 ) . والثاني : أنه بضم اللام : « فقالُوا » ، لكنْ حُذِفَتْ واوُ الجماعة مع الألف الفارقة ، واجتزئ بضمة اللام عنها كما قالت العرب في « ضَرَبُوا » : قد ضَرَبُ . وهي لغةُ هوازن وعُلْيَا قيس . انظر التعليق على المسألة رقم ( 679 ) . ( 4 ) قولُهُم ج : « أَمِرُّوهَا كما جاءتْ » ، أيْ : بأنْ نُثْبِتَ ألفاظَهَا ومعانيَهَا مع اعتقادِنَا أننا مكلَّفون بمعرفةِ تلكَ الألفاظِ والمعاني ؛ فإننا متعبَّدون بمعرفةِ معاني صفاتِ اللهِ تعالى ، وأما قولهم : بلا كيف ، فالمرادُ : إثباتُ الكيفيةِ لهذه الصفات ، مع نفيِ علمنا بهذه الكيفيَّة ؛ فإنَّ هذا من التأويلِ الذي لا يَعْلَمه إلا اللهُ تعالى ؛ قال شيخ الإسلام ابنُ تيميَّةَ في « الفتوى الحموية الكبرى » ( ص 300 - 301 ) - بعد نقلِهِ كلامَ الوليدِ بنِ مسلمٍ - قال : « فقولهم رضي الله عنهم : أَمِرُّوهَا كما جاءَتْ : رَدٌّ على المعطِّلَةِ ، وقولهم : بلا كيف : ردٌّ على الممثِّلة » . اه - . وعلى ذلك : ففي قول السلف : « أَمِرُّوهَا كما جاءتْ ، بلا كيف » : إثباتٌ لحقيقةِ صفاتِ الله تعالى ، ونفيٌ لعلمنا بكيفيَّاتها ؛ فالتفويضُ يكونُ في كيفيَّةِ الصفاتِ لا في معانيها ، وقد اشتدَّ نكيرُ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميَّةَ على مَنْ نَسَبَ إلى السلفِ أنهم يفوِّضون في معاني صفات الله تعالى ، بمعنى أنهم لا يعلمون إلا ألفاظَهَا ، ويَكِلُونَ عِلْمَ معانيها وكيفيَّاتها إلى اللهِ تعالى ، وقالوا : مذهب السلف أسلم ، ومذهب الخلف أعلم وأحكم . والصوابُ : أن مذهب السلف هو الأسلم والأعلم والأحكم ، فإنَّهم يفوِّضون عِلْمَهُمْ بكيفيَّةِ الصفةِ دون العلمِ بمعناها ، فقال شيخ الإسلام في « الفتوى الحموية الكبرى » ( ص 303 - 307 ) : « وروى الخَلاَّل بإسنادٍ كلُّهم أئمةٌ ثقاتٌ ، عن سفيانَ بنِ عيينة ، قال : سُئِلَ ربيعةُ بنُ أبى عبد الرحمنِ عن قوله : [ طه : 5 ] { الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * } ، كيف استَوَى ؟ قال : الاستواءُ غيرُ مجهول ، والكيفُ غيرُ معقولٍ ، ومِنَ اللهِ الرِّسَالة ، وعلى الرسولِ البلاغُ المبين ، وعلينا التصديق ، وهذا الكلامُ مرويٌّ عن مالكِ بنِ أنسٍ تِلْمِيذِ ربيعةَ ابنِ أبى عبد الرحمنِ مِنْ غيرِ وجهٍ : منها : ما رواه أبو الشيخِ الأصبهانيُّ ، وأبو بكرٍ البيهقيُّ ، عن يحيى بنِ يحيى ، قال : كنَّا عند مالكِ بنِ أنسٍ ، فجاء رجلٌ ، فقال : يا أبا عبد الله ، [ طه : 5 ] { الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * } ، كيف استَوَى ؟ فأطرَقَ مالكٌ برأسِهِ حتَّى عَلاَهُ الرُّحَضَاءُ ، ثم قال : الاِستواءُ غيرُ مجهول ، والكيفُ غيرُ معقول ، والإيمانُ به واجب ، والسؤالُ عنه بدعة ، وما أَرَاكَ إلا مبتدِعًا ، ثُمَّ أَمَرَ به أن يُخْرَجَ . فقولُ ربيعةَ ومالكٍ : الاستواءُ غيرُ مجهول ، والكيفُ غيرُ معقول ، والإيمانُ به واجب - موافقٌ لقولِ الباقين : « أَمِرُّوها كما جاءتْ ، بلا كيف » ؛ فإنَّما نَفَوْا عِلْمَ الكيفيَّةِ ، ولم يَنْفُوا حقيقةَ الصفةِ . ولو كان القومُ قد آمَنُوا باللفظِ المجرَّدِ مِنْ غير فهمٍ لمعناه على ما يليق بالله - لَمَا قالوا : « الاستواءُ غيرُ مجهول ، والكيفُ غيرُ معقول » ، وَلَمَا قالوا : « أَمِرُّوهَا = = كَمَا جاءتْ ، بِلاَ كَيْف » ؛ فإنَّ الاستواءَ حينئذٍ لا يكونُ معلومًا ، بل مجهولاً بمنزلةِ حروفِ المعجم . وأيضًا : فإنَّه لا يُحتاجُ إلى نفيِ علمِ الكيفيَّةِ إذا لم يُفْهَمْ عن اللفظ معنًى ، وإنما يُحْتاجُ إلى نفي علمِ الكيفيَّةِ إذا أُثْبِتتِ الصفاتُ . وأيضًا : فإنَّ مَنْ ينفي الصفاتِ الخبريَّةَ ، أو الصفاتِ مطلقًا ، لا يَحْتاجُ إلى أنْ يقولَ : بلا كيف ، فمَنْ قال : إنَّ اللهَ سبحانه وتعالى ليس على العرشِ ، لا يَحْتَاجَ أنْ يقولَ : بلا كيف ، فلو كان مذهبُ السلفِ نفيَ الصفاتِ في نفسِ الأمرِ ، لَمَا قالوا : بلا كيف ! ! وأيضًا : فقولهم : « أَمِرُّوها كما جَاءَتْ » ، يقتضي إبقاءَ دلالتها على ما هي عليه ؛ فإنَّها جاءتْ ألفاظًا دالَّةً على معاني ، فلو كانتْ دلالتُهَا منتفيةً ، لكان الواجبُ أنْ يقالَ : « أَمِرُّوا ألفاظَهَا ، مع اعتقادِ أنَّ المفهومَ منها غيرُ مرادٍ » ، أو « أَمِرُّوا ألفاظَهَا ، مع اعتقادِ أنَّ اللهَ لا يوصفُ بما دَلَّتْ عليه حقيقةً » ؛ وحينئذٍ : فلا تكونُ قد أُمِرَّتْ كما جاءتْ ، ولا يقالُ حينئذٍ : بلا كيف ؛ إذْ نَفْيُ الكيفِ عمَّا ليس بثابت لغوٌ من القول » . وهذا كلامٌ نفيسٌ جِدًّا لمن فتَحَ اللهُ بصيرتَهُ . انظر : « درء تعارض العقل والنقل » ( 1 / 201 - 208 ) ، و « التدمرية » ( ص 89 - 116 القاعدة الخامسة ) ، و « التحفة المدنيَّة » لحمد آل معمر ( ص 89 - 90 ) ، و « المجلَّى ، في شرح القواعد المثلى للشيخ ابن عثيمين » لكاملة الكواري ( ص 225 - 228 ) .