ابن أبي حاتم الرازي

120

كتاب العلل

ويحبُّ أنْ يُحْمَدَ ، ويَحُجُّ ويحبُّ أَنْ يُحمَدَ ، ويتصدَّقُ ويحبُّ أَنْ يُحمَدَ ، حَتَّى عدَّ شَيْئًا مِنْ أَنْوَاعِ البِرِّ ؟ فَقَالا : لَيْسَ لَهُ مِنْ عَمَلِهِ شيئًا ( 1 ) ؛ يَقُولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ : « أَنَا خَيرُ شَريكٍ ؛ فمَنْ كانَ لهُ مَعِي شَريكٌ ، فَلا حاجَةَ لِي فيه ، هو كُلُّهُ لَهُ » ؟

--> ( 1 ) كذا في جميع النسخ : « شيئًا » ، والجادَّة : « شيءٌ » بالرفع ؛ لأنه اسم « ليس » مؤخَّر ، وفي مصادر التخريج : « ليس لك مِنْ عملك شيءٌ » و « ليس له شيءٌ » و « ليس بشيء » ، لكن يخرَّج ما في النسخ على ثلاثة أوجه : الأول : على إضمار فعل ناصب ، والتقدير : ليس يَجِدُ له مِنْ عَمَلِهِ شيئًا ، أو : ليس يَقبلُ الله مِنْ عَمَلِهِ شيئًا ، ونحو ذلك . والوجه الثاني : أن « شيئًا » اسم ل‍ « ليس » ، وكان حقه الرفع ، لكنَّه جاء منصوبًا لظهور المعنى وعدم اللبس ، فقد جاء عن العرب الاكتفاء بالقرينة المعنوية ، عن القرينة اللفظية ، فنصبت الفاعل ورفعت المفعول ؛ نحو قولهم : خَرَقَ الثوبُ المسمارَ ، وقولهم : كَسَرَ الزجاجُ الحجرَ ، وقد تكتفي بالمعنى عن الرتبة واللفظ جميعًا ؛ فتقول : « أكلَتِ الكُمَّثْرَى ليلى » ، وهكذا . ولعلَّ الذي سوَّغ ذلك هنا مشاكلة قوله : « شيئًا من أنواع البر » . وانظر تعليقنا على المسألة رقم ( 479 ) . والوجه الثالث : على توهُّم أن « شيئًا » خبر « ليس » ؛ لتأخُّره في اللفظ ؛ كأنَّه قال : ليس عملُهُ شيئًا ، والتوهُّم معروفٌ في كلام العرب في باب العطف وفي غيره ، وانظر " الإنصاف " ( 2 / 564 - 565 ) . ويقع ذلك في القرآن ، ويسمى إذْ ذاك : العَطْفَ على المعنى . وانظر " كتاب سيبويه " ( 1 / 306 - 307 ) و ( 3 / 29 ) ، و " الإنصاف " ( 1 / 191 - 194 و 393 - 395 ) ، و " مغني اللبيب " ( ص 453 - 458 ) ، و " خزانة الأدب " ( 4 / 147 - الشاهد رقم 278 ) ، و " البحر المحيط " لأبي حيان ، و " الدر المصون " للسمين الحلبي ، و " اللباب " لابن عادل الحنبلي ( في تفسير سورة البقرة : الآية 17 ) و ( الأعراف : الآية 186 ) ، و ( يوسف : الآية 90 ) ، و ( غافر : الآية 37 و 71 ) ، و ( المنافقون : الآية 10 ) ، و ( الزلزلة : الآية 7 - 8 ) ، وانظر كذلك " البرهان " للزركشي ( 4 / 110 - 113 ) ، و " الخصائص " ( 3 / 273 - 282 بابٌ في أغلاط العرب ) . تنبْيه : ورد في " الرسالة " للإمام الشافعي ثلاث عبارات على نحو ما عندنا هي : 1 - قوله ( ص ) في حديث عبادة بن الصامت : « كان له عند الله عهدًا أن يُدخِلَه الجنَّة » [ الفقرة رقم 345 ] . 2 - قول الشافعي : « وقد كانت لرسول الله ( ص ) في هذا سننًا ليست نصًّا في القرآن » [ الفقرة رقم 440 ] . 3 - قول الشافعي : « ثم كانت لرسول الله ( ص ) في بُيوعٍ سوى هذا سننًا » [ الفقرة رقم 485 ] . وقد اجتهد العلامة الشيخ أحمد شاكر محقق " الرسالة " في تخريج هذه المواضع على وجهين لا نوافقه عليهما ؛ لعدم ورودهما ؛ أما العبارة الأولى : فقد تقدَّم تخريجها في المسألة رقم ( 239 ) . وأما العبارتان الثانية والثالثة : فتخرَّجان على الوجهين الثاني والثالث مما ذكرناه هنا . والله أعلم .