ابن أبي حاتم الرازي
28
كتاب العلل
ليستْ تلقينًا وإنما هو عِلْمٌ يُحْدِثُهُ اللهُ في القلب ، ثم قال : « أَشْبَهُ الأشياءِ بعلمِ الحديث : معرفةُ الصَّرْفِ ونقدُ الدنانيرِ والدراهم ؛ فإنه لا يُعْرَفُ جَودةُ الدينارِ والدراهم بلونٍ ، ولا مَسٍّ ، ولا طَرَاوةٍ ، ولا دَنَسٍ ، ولا نَقْشٍ ، ولا صفةٍ تعودُ إلى صِغَرٍ أو كِبَرٍ ، ولا إلى ضِيقٍ أو سَعَة ، وإنما يَعْرِفه الناقدُ عند المُعاينة ، فَيَعْرِفُ البَهْرَجَ والزائفَ ، والخالصَ والمغشوشَ ، وكذلك تمييزُ الحديث ؛ فإنَّه عِلْمٌ يخلقُهُ اللهُ تعالى في القلوبِ بعد طولِ المُمارسة له والاعتناءِ به » . وقال ابنُ رجب ( 1 ) بعد ذِكْرِ بعض الأحاديث المعلولة : « وإنما تُحْمَلُ مِثْلُ هذه الأحاديثِ - على تقدير صحَّتها - على معرفةِ أئمَّةِ الحديثِ الجَهَابذةِ النُّقَّادِ الذين كَثُرَتْ ممارستُهُمْ لكلامِ النبيِّ ( ص ) وكلامِ غيره ، ولحالِ رواةِ الأحاديث ونَقَلَةِ الأخبار ، ومعرفَتِهِمْ بِصِدْقهم وكذبهم ، وحِفْظهم وضَبْطهم ؛ فإنَّ هؤلاءِ لهم نَقْدٌ خاصٌّ في الحديث يَخْتَصُّون بمعرفته ، كما يَخْتَصُّ الصيرفيُّ الحاذقُ بمعرفة النقود ؛ جَيِّدها ورديئها ، وخالِصِهَا ومَشُوبها ، والجَوهريُّ الحاذقُ في معرفةِ الجَوْهر بانتقادِ الجَوَاهر ، وكلٌّ مِنْ هؤلاءِ لا يمكنُ أن يعبِّر عن سببِ معرفته ، ولا يقيمُ عليه دليلاً لغيره ، وآيةُ ذلك : أنه يُعْرَضُ الحديثُ الواحدُ على جماعةٍ ممَّن يَعْلَمُ هذا العلم ، فَيَتَّفِقون على الجَوَابِ فيه من غير مُواطأة ، وقد امتُحِنَ هذا منهم غَيْرَ مَرَّة في زَمَنِ أبي زُرْعة وأبي حاتم ،
--> ( 1 ) في " جامع العلوم والحكم " ( ص 483 - 485 ) .