ابن أبي حاتم الرازي
16
كتاب العلل
الحديث الذي يُعْنَى أولَ ما يُعْنَى بأوهامِ الثقات . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ( 1 ) : « والمقصودُ هنا أنَّ تَعَدُّدَ الطُّرُق - مع عدمِ التشاعرِ أو الاتفاقِ في العادة - يُوجِبُ العلمَ بمضمون المنقول ، لكنَّ هذا يُنتفَعُ به كثيرًا في عِلْمِ أحوال الناقلين ، وفى مثل هذا يُنتفَعُ برواية المجهول ، والسيِّئ الحفظ ، وبالحديثِ المُرْسَل ، ونحوِ ذلك . ولهذا كان أهلُ العلم يَكْتُبون مثلَ هذه الأحاديث ويقولون : إنه يَصْلُحُ للشواهدِ والاعتبارِ ما لا يَصْلُحُ لغيره ؛ قال أحمد : قد أكتُبُ حديثَ الرجلِ لأعتبرَهُ . . . . وكما أنهم يَسْتَشهدونَ ويَعْتبرونَ بحديثِ الذي فيه سوءُ حفظ ، فإنهم أيضًا يضعِّفون مِنْ حديثِ الثقة الصدوقِ الضابطِ أشياءَ تبيَّن لهم أنه غَلِطَ فيها ، بأمورٍ يستدلُّون بها ، ويسمُّون هذا : « عِلْمَ عِلَلِ الحديث » ، وهو مِنْ أشرفِ علومهم ، بحيثُ يكونُ الحديثُ قد رواه ثقةٌ ضابطٌ وغَلِطَ فيه ، وغَلَطُهُ فيه عُرِفَ إما بسببٍ ظاهرٍ [ أو خفيٍّ ] ( 2 ) ؛ كما عَرَفُوا أنَّ النبيَّ ( ص ) تزوَّج ميمونةَ وهو حلال ، وأنه صلَّى في البيت ركعتين ، وجعلوا روايةَ ابنِ عباس - لتزوُّجِها حرامًا ، ولكونِهِ لم يُصَلِّ - مما وقَعَ فيه الغَلَطُ . . . . والناسُ في هذا الباب طرفانِ : طَرَفٌ مِنْ أهلِ الكلام ونحوهم ممَّن هو بعيدٌ عن معرفةِ الحديثِ وأهله ، لا يُميِّز بين الصحيحِ والضعيف ، فيَشُكُّ في صحةِ أحاديثَ ، أو في القَطْعِ بها ، مع كونها معلومةً مقطوعًا بها عند أهلِ العِلْمِ به . وطَرَفٌ ممن يدَّعي اتباعَ الحديثِ والعَمَلَ به ؛ كلَّما وجَدَ لفظًا في حديثٍ قد رواه ثقةٌ ، أو رأى حديثًا بإسنادٍ ظاهرُهُ الصحةُ ، يريدُ أن يَجْعَلَ ذلك مِنْ جنسِ ما جزَمَ أهلُ العلم بصحَّته ، حتى إذا عارَضَ الصحيحَ المعروفَ ، أخَذَ يتكلَّفُ له التأويلاتِ الباردةَ ، أو يجعلُهُ دليلاً له في مسائلِ العلم ، مع أنَّ أهلَ العلم بالحديثِ يَعْرِفون أنَّ مثلَ هذا غَلَطٌ » . اه - . وقال ابن القيِّم ( 3 ) - في كلامه على حديث : « قَضى باليَمِينِ مع الشَّاهد » ، والرَّدِّ على من أعلَّه - : « وهذه العللُ وأمثالها تَعَنُّتٌ لا تُتْرَكُ لها الأحاديثُ الثابتةُ ، ولو تُرِكَتِ السننُ بمثلها لَوُجِدَ السبيلُ إلى تَرْكِ
--> ( 1 ) في " مجموع الفتاوى " ( 13 / 352 - 353 ) . وانظر : " مقدمة أصول التفسير " ( ص 68 - 74 ) . ( 2 ) ما بين المعقوفين سقط من " مجموع الفتاوى " و " مقدمة أصول التفسير " ، فأثبتناه من " توجيه النظر " للشيخ طاهر الجزائري ( 1 / 328 ) ؛ لنقله هذا النَّصَّ عنه . ( 3 ) في " تهذيب السنن " ( 10 / 25 ) .