ابن أبي حاتم الرازي
140
كتاب العلل
مِنْ هَذِهِ السُّورة ، فيقرأُ آياتٍ ، ثُمَّ ( 1 ) يَصِيرُ ( 2 ) إِلَى سُورةٍ أُخرى ، فيقرأ آياتٍ . . . . وروى سَعِيد بْن المسيّب ( 3 ) ، وأبو سَلَمة ( 4 ) ابنُ عبد الرحمن ، وعُمَرُ مولى غُفْرَة ( 5 ) عَمَّن حدَّثه ( 6 ) ، كلُّهم عن النبيِّ ( ص ) - مُرسَلً ( 7 ) - : أنَّ النبيَّ ( ص ) مَرَّ بِأَبِي بَكْر وَهُوَ يُخافِتُ صَوْتَهُ بالقِراءَة ، ومَرَّ بعمر وَهُوَ يَجْهَرُ ، ومَرَّ ببلال وَهُوَ يقرأ مِنْ هَذِهِ السُّورة ومِنْ هَذِهِ السُّورة ؛ بدلا من عمَّار . فَقِيلَ لأَبِي زرعة : فما الصَّحيحُ عندك : بلالٌ أو عمَّار ؟ فَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : رَوَاهُ المدنيُّون عَلَى أَنَّهُ بلال ، وَهُمْ ( 8 ) أعلَمُ ، وإنْ كَانَ رِوَايَتُهُمْ مُرسَلاً ( 9 ) ، فلولا أنَّهم سمعوه من أصحاب النبيِّ ( ص ) ،
--> ( 1 ) في ( ت ) و ( ك ) : « لم » بدل : « ثم » . ( 2 ) في ( ك ) : « تصير » . ( 3 ) روايته أخرجها عبد الرزاق في " المصنف " ( 4209 و 4210 ) ، وأبو عبيد في " فضائل القرآن " ( ص 188 ) ، وابن أبي شيبة في " المصنف " ( 8818 و 30250 ) . ( 4 ) في ( ك ) : « أبو أسلمة » . ( 5 ) روايته أخرجها أبو عبيد في " فضائل القرآن " ( ص 188 ) . وتصحف فيه : « غفرة » إلى « عفرة » بالعين المهملة . ( 6 ) في ( ف ) : « حديثهم » بدل : « حدثه » . ( 7 ) كذا بحذف ألف تنوين النصب على لغة ربيعة ، وانظر تعليقنا في المسألة رقم ( 34 ) . ( 8 ) في ( ش ) : « وهو » . ( 9 ) كذا في جميع النسخ ، والجادَّة : « كانت روايتهم مُرسَلَةً » ، فهنا إشكالان ؛ أولهما : تذكير الفعل مع الاسم المؤنَّث ، وثانيهما : تذكير الخبر مع أن الاسم المخبر عنه مؤنث : أما الإشكال الأوَّل ، فيخرَّج تخريجين : الأول : أن « الرواية » مؤنَّث غير حقيقي التأنيث ، والفعل إذا أسند إلى اسمٍ مفردٍ غير حقيقي التأنيث فإنه يجوزُ معه تأنيث الفعل وتذكيره ، وإنْ كان تأنيثُهُ أولى ؛ وقد أوضحنا ذلك في التعليق على المسألة رقم ( 224 ) . والثاني : بالحمل على المعنى ، حَمَلَ الرواية على المرويِّ ؛ لأنها بمعناه ، والتقدير : كان مرويُّهم أو ما رَوَوْهُ مرسلاً ، وهذا حملٌ للمؤنَّث على المذكَّر ، وبه ينحل الإشكال الثاني وهو كون « مرسلاً » مذكرًا مع تأنيث الرواية ، فإنه لمَّا حمل « الرواية » على معنى « المروي » ذكَّر الفعل وذكَّر الخبر كذاك . والحمل على المعنى - كما يقول ابن جني في " الخصائص " ( 2 / 411 - 435 ) - : « غَوْرٌ من العربية بعيد ، ومذهب نازحٌ فسيحٌ ؛ قد ورد به القرآن ، وفصيحُ الكلام منثورًا ومنظومًا ؛ كتأنيث المذكَّر ، وتذكير المؤنَّث ، وتصوُّر معنى الواحد في الجماعة ، والجماعة في الواحد ، وفي حَمْلِ الثاني على لفظٍ قد يكون عليه الأوَّل ، أصلاً كان ذلك اللفظ أو فرعًا ، وغير ذلك . . . » إلى أن قال : « وتذكيرُ المؤنَّث واسعٌ جدًّا ؛ لأنَّه رَدُّ فرعٍ إلى أصل » . ومن شواهد حمل المؤنَّث على معنى المذكَّر : قولُهُ تعالى : [ البَقَرَة : 275 ] { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ } ؛ لأنَّ الموعظة في معنى الوعظ - وهذا أحدُ قولين في الآية - وقولُهُ تعالى : [ الأنعَام : 78 ] { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي } ، أي : هذا الشخص ، أو هذا المرئي ، وقولُهُ تعالى : [ الأعرَاف : 56 ] { إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } ، قيل : إنه أراد بالرحمة : المطر - في أحد الأقوال - وغير ذلك من الآيات . ومن الأحاديث : ما رواه البخاري ( 1636 ) ، ومسلم ( 163 ) ؛ أنَّه ( ص ) قال في حديث ليلة المعراج : « فنزل جبريلُ _ ج ، ففَرَجَ صَدْرِي ، ثم غَسَلَهُ بماءِ زَمْزَمَ ، ثم جاء بطَسْتٍ من ذَهَبٍ ، ممتلئٍ حِكْمةً وإيمانًا ، فأفرَغَهَا في صَدْري ، ثم أطبقَهُ » ، قال النووي في " شرح مسلم " ( 2 / 218 ) : « قد قدَّمنا لغاتِ الطَّسْت ، وأنها مؤنَّثة ، فجاء « ممتلئ » على معناها ، وهو الإناء ، و « أفرغها » : على لفظها » . اه - . ومنه ما رواه الإمام أحمد في " مسنده " ( 5 / 161 رقم 21432 ) من قول المعرور بن سُوَيْد : « رأيتُ أبا ذَرٍّ وعليه حُلَّةٌ ، وعلى غُلاَمِهِ مِثْلُهُ » ، ذكَّر الضمير في « مِثْلُهُ » ، وهو للحُلَّة ؛ لأنَّ الحُلَّةَ ثوبٌ ، فحملها على معناها . ومن الشعر : قولُ عامر بن جُوَيْن الطائي [ من المتقارب ] : فلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَا ولا أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا ذهب ب « الأرض » إلى : الموضع والمكان . والشواهد على تذكير المؤنَّث أكثَرُ من أن تُحْصَى في كلام العرب شعرًا ونثرًا . وانظر : " كتاب سيبويه " ( 3 / 565 - 566 ) ، و " المقتضب " للمبرِّد ( 2 / 148 - 149 ) ، و " إعراب الحديث النبوي " للعكبري ( ص 143 ، 148 ، 390 ) ، و " الخصائص " ( 2 / 411 - 415 فصل في الحمل على المعنى ) ، و " الإنصاف " لابن الأنباري ( 2 / 763 - 777 ) ، و " الأشباه والنظائر في النحو " للسيوطي ( 3 / 167 - 168 ) ، وانظر تفصيل الكلام على الحمل على المعنى مطلقًا في " الأشباه والنظائر " للسيوطي ( 1 / 406 - 419 ) ، وقد علَّقنا في المسألة رقم ( 81 ) على تأنيث المذكَّر ؛ فارجع إليه إنْ شئت .