محمد بن عبد المنعم الحميري
43
صفة جزيرة الأندلس منتخبة من كتاب الروض العطار في خبر الأقطار
فنزل على ضيفه بها وليس له هم إلا امرأته ، فحكم ذلك التعشق بينهما ، واتفق معها على أن تعمل الحيلة في الهروب إليه من بلدها ، فيزوجها من نفسه ؛ فلما وصل إلى برشلونة أرسل إليها قوماً من اليهود في ذلك ، ودخل صاحب طرطوشة في الأمر فأوصلهم في الشوانى إلى نربونة ، فلم تتوجه لليهود الحيلة في أمرها ، وأحسن زوجها ببعض شأنها ، وكان بها كلفاً فثقفها ، فكان تثقيفه لها سبباً لمعونة أهلها ، على مرادها ، فوصلت مع قوم منهم إلى برشلونة ، فنزل رأى مند عن امرأته وتزوج النربونية ، فلبست الأولى المسوح ، وخرجت مع جماعة من أهل بيتها إلى رومة حتى أتت عظيمها وصاحب الدين بها ، وهو الذي يسمونه البابه ، فشكت إليه ما صنع زوجها ، وأنه تركها بغير سبب ، وهو أمر لا يحل في دينهم ، وأنهم لا يجوز لهم فعله ، وإنما حمله على ذلك عشقه لها ، وشهد لها شهود قبلهم ، فحرم البابه على صاحب برشلونة دخول الكنائس ، وأمر أن لا يدفن له ميت ، وأن يتبرأ منه جميع من يعتقد النصرانية فلما علم ذلك ، علم أنه لا حيلة له معه ولا بقاء في أفقٍ يكون فيه لنصراني حكم ؛ فبذل الأموال ودس مشاهير الأساقفة والقسيسين ، فأوطاهم على الشخوص إلى البابه ، وأن يشهدوا له أنه تقصى عن نسب المرأة التي ترك ، فوجدها منه بقربى يحرمها عليه ، وأن النربونية فرت من زوجها لذلك ، لأنه كانت منه بنسبٍ ، وكان يكرهها على المقام معه ، فنفذ القوم إلى البابه ، وشهدوا للقومس ما أوصاهم عليه ، فقبلهم ، وأباح له دخول الكنائس ودفن من مات له ، وسائر ما حجر عليه .