محمد بن عبد المنعم الحميري

38

صفة جزيرة الأندلس منتخبة من كتاب الروض العطار في خبر الأقطار

وبقرب بجانة كان جامع الإقليم بالأعظم ، إلا أنها كانت حارات مفترقة حتى نزلها البحريون وتغلبوا على ما كان فيها من العرب وصار الأمر لهم فجمعوها وبنوا سورها ، وامتثلوا في ذلك ببنية قرطبة وترتيبها ، وجعلوا على أحد أبوابها صورة تشا كل الصورة التي على باب القنطرة ، فأمتها الناس من كل جهةٍ وانجفلوا إليها من كل ناحيةٍ ، فارين من الفتن التي كانت إذ ذاك شاملةً ، فكانت أمنا لمن قصدها ، وحرماً لمن لجأ إليها ، وكانت الميرة تجلب إليها من العدوة ، وضروب المرافق والتجارات ؛ وكان ذلك أيضاً من الأسباب الداعية إلى قصدها واستيطانها ، وصار حولها أرباض كثيرة . ويدخلها من النهر جدولان ، أحدهما بأعلى المدينة من جانب الشرق ويسقى بساتينها كلها ، والثاني يشق الأرباض الجوفية ، ويخرج عنها إلى الأرباض القبلية ، حتى يقع في النهر هناك ؛ وجامعها داخل المدينة ، بناه عمر بن أسود ، وفيه قبو على قبةٍ فيها أحدى عشر حنية ، منضربة على أربعة عشر عموداً ، فنقش أعاليه بنقوش عجيبة . وبغربى القبو ثلاث بلاطات أوسع من الشرقية على عمد صخرٍ ، وفي الصحن بئر عذبة ؛ وكان بمدينة بجانة إحدى عشر حماماً ، وطرز حريرٍ ومتاجر رابحة ، وكان يذهب الوادي الآتي من شرقيها كثيراً من أرباضها وأسواقها عند حمله . وبشرقى بجانة على ثلاثة أميالٍ جبل شامخ فيه معادن غريبة ، وفيه الحمة العجيبة الشأن ، ليس لها نظير في الأندلس ، في طيب مائها وعذوته وصفائه وبذرقته ونفعه عموم بركته ، يقصدها أهل الأسقام والعاهات من جميع النواحي ، فلا يكاد يخطئهم نفعها ، وعليها من بناء الأول صهريج إلى جانب العين مربع واسع كانوا قد