محمد بن عبد المنعم الحميري
21
صفة جزيرة الأندلس منتخبة من كتاب الروض العطار في خبر الأقطار
رفيع ، أبراج منيعةٍ وبنى سور المدينة في الفتنة بالتراب . وبإشبيلية آثار للأول كثيرة ، وبها أساطين عظام تدل على هياكل كانت بها ؛ وإشبيلية من الكور المجندة نزلها جند حمص ، ولواؤهم في الميمنة بعد لواء جند دمشق ، وهي من أمصار الأندلس الجليلة الكثيرة المنافع ، والعظيمة الفوائد ، ويظل على إشبيلية جبل الشرف ، وهو شريف البقعة ، كريم التربة ، دائم الخضرة ، فراسخ في فراسخ طولاً وعرضاً ، لا تكاد تشمس منه بقعة لا لتفاف زيتونه واشتباك غصونه ، وزيته من أطيب الزيوت كثيرة الرفع عند العصر ، لا يتغير على طول الدهر ، ومن هناك يتجهز به إلى الآفاق براً وبحراً ، وكل ما استودع أرض إشبيلية نمى وزكى وجل ؛ والقطن يجود بأرضها فيعم بلاد الأندلس ويتجهز به التجار إلى إفريقية وسجلماسة وما والاها ، وكذلك العصفر بها يفضل عصفر الآفاق ؛ وبقبلى مدينة إشبيلية بساتين تعرف بجنات المصلى وبها قصب السكر ، وفي آخر نهر إشبيلية من كلتى جانبيه جزائر كثيرة يحيط بها الماء ، كلأها قائم لا يصوح لدولم ندوتها ، ورطوبة أرضها ، ويصلح نتاجها وتدوم ألبانها ويمتنع ما فيها من الحوافر والظلف على العدو فلا يصل إليه أحد ، وهذه الجزائر تعرف بالمدائن وبعضها بقرب من البحر . وفي سنة 597 ، في جماداها الأخير ، كان السيل العظيم الجارف على إشبيلية المربى على كل سيلٍ ، وهو مذكور في الثاني من جالى الفكر في أول ورقة منه سنة 597 فانقله من هناك .