محمد بن عبد المنعم الحميري
17
صفة جزيرة الأندلس منتخبة من كتاب الروض العطار في خبر الأقطار
بدرب المغرورين ، وذلك أن ثمانية رجال ، كلهم أبناء عمٍ ، اجتمعوا فابتغوا مركباً وأدخلوا فيه من الماء والزاد ما يكفيهم لأشهرٍ ، ثم دخلوا البحر في أول طاروس الريح الشرقية ، فجروا بها نحواً من إحدى عشر يوماً ؛ فوصلوا إلى بحرٍ غليظ الموج ، كدر الروائح ، كثير التروش ، قليل الضوء ، فأيقنوا بالتلف ، فردوا قلعهم في اليد الأخرى ، وجروا في البحر في ناحية اثنى عشر يوماً ؛ فخرجوا إلى جزية الغنم ، وفيها من الغنم مالا يأخذه عدو لا تحصيل ، وهي سلوحة لا ناظر لها ولا راع ، فقصدوا الجزيرة ونزلوها فوجدوا عين بماء جاريةً ، عليها شجرة تينٍ برىٍ ، فأخذوا من تلك الغنيم فذبحوها فوجدوا لحومها مرةً لا يقدر أحد على أكلها ، فأخذوا من جلودها وساروا مع الجنوب اثنى عشر يوماً إلى أن لا حت لهم جزيرة ، فنظروا فيها إلى عمارةٍ وحرثٍ ، فقصدوا إليها ليروا ما فيها ، فما كان إلا غير بعيدٍ حتى أحيط بهم في زوارق ، فأخذوا وحملوا إلى مدينةٍ على ضفة البحر ، فأنزلوا بها في دارٍ ، فرأوا بها رجالاً شقراً زعراً ، شعورهم سبطة ، وهم طوال القدود ، ولنسائهم جمال عجيب ، فاعتقلوا في بيت ثلاثة أيام ثم دخل عليهم في اليوم الرابع رجل يتكلم باللسان العربي ، فسألهم عن حالهم ، وفيم جاؤوا ، وأين بلادهم فأخبروه بكل خبرهم فوعدهم خيراً ، وأعلمهم أنه ترجمان ؛ فلما كان في اليوم الثاني من ذلك اليوم أحضروا بين يدي الملك ، فسألهم عما سألهم عنه الترجمان فأخبروه بما أخبروا به الترجمان بالأمس ، وأنهم اقتحموا البحر ليروا ما فيه من العجائب ، وليقفوا على نهايته ، فلما علم الملك ذلك ضحك وقال للترجمان : أخبر القوم أن أبي أمر قوماً من عبيده بركوب هذا البحر ، وأنهم جروا في عرضه شهراً