محمد بن عبد المنعم الحميري
5
صفة جزيرة الأندلس منتخبة من كتاب الروض العطار في خبر الأقطار
فحبس الله تعالى عنهم المطر حتى غارت عيونها ويبست أنهارها ، فهلك أكثرهم وفر من قدر على الفرار منهم فأقفرت الأندلس وبقيت خالية مائة عامٍ ، وملكها إشبان ابن طيطش ، وهو الذي غزا الأفارقة وحاصر ملكهم بطالقة ، ونقل رخامها إلى إشبيلية وبه سميت ، فاتخذها دار مملكته وكثرت جموعه فعلا في الأرض وغزا من إشبيلية إيلياء بعد سنتين من ملكه ، خرج إليها في السفن وهدمها ، وقتل من اليهود مائة ألفٍ واسترق مائة ألفٍ ، وفرق في البلاد مائة ألف ، وانتقل رخام إيلياء وآلاتها إلى الأندلس ؛ والغرائب التي أصيبت في مغانم الأندلس كمائدة سليمان التي ألفاها طارق ابن زياد بكنيسة طليطلة ، وقليلة الدر التي ألفاها موسى بن نصير بكنيسة ماردة ، وغيرهما من الذخائر ، إنما كانت مما حازه صاحب الأندلس من غنيمة بيت المقدس إذ حضر فتحها مع بخت نصر . وذكروا أن الخضر وقف بإشبان هذا وهو يحرث الأرض بفدانٍ له أيام حداثته فقال : يا إشبان ، إنك لذو شأنٍ ، وسوف يحظيك زمان ، ويعلي سلطان ، فإذا أنت تغلبت على إيلياء فارفق بورثة الأنبياء ! فقال له إشبان : أساحر أنت رحمك الله أني يكون هذا ، وأنا ضعيف مهين حقير ؟ فقال : قدر ذلك من قدر في عصاك اليابسة ما تراه ! فنظر إشبان إلى عصاه فرآها قد أورقت ، فريع لما رأى وذهب الخضر عنه ؛ وقد وقر ذلك الكلام في نفسه والثقة بكونه ، فترك الامتهان وداخل الناس ، وصحب أجل الناس وسما به جده فارتقى في طلب السلطان حتى نال منه عظيما ، وكان ملكه عشرين سنة ، واتصلت مملكة