محمد بن عبد المنعم الحميري
97
صفة جزيرة الأندلس منتخبة من كتاب الروض العطار في خبر الأقطار
طلعت الشمس من أقصى مطالعها في الشتاء قابلته عند بزوغها وهو الباب القبلي ؛ وإذا غربت قابلت الباب الذي بإزائه من الجانب الغربي . وهذه المدينة على خمسة أنهار . وسرقسطة واسعة الخطة لا تعرف بالأندلس مدينة تشبهها ، وقيل تعرف بالبيضاء لأن أسوارها القديمة من حجر الرخام الأبيض ؛ وكان الذي بنى المسجد الجامع بسرقسطة ووضع محرابه حنش بن عبد الله الصنعاني ، فلما زيد فيها ، هدم الحائط القبلي ، غير المحراب ، فإنه احتفر من جوانبه حتى انتهى إلى قواعده ، فأعملت الحيلة في حمله على الخشب وجره إلى الموضع الذي هو فيه اليوم ، فتصدع وبنى عليه وحواليه البناء الذي هو باقٍ إلى الآن ؛ وتوفي حنش هذا وعلي بن رباح اللخمي ، وهما من جلة التابعين ، بمدينة سرقسطة ، وقبراهما معروفان بمقبرة باب القبلة ، وكان بعض من مضى من الملوك أراد أن يتخذ عليها مشهداً ، ويبنى فوقها مصنعاً ، فلما اعتزم ذلك أتته امرأة معروفة بالصلاح والأمانة ، موسومة بالعدالة ، فأخبرته أنها رأتهما فيما يرى النائم . وأخبراها أنهما يكرهان أن يبنى على قبرهما شيء . فرجع عن ذلك الأمر الذي كان هم به . ومدينة سرقسطة أطيب البلدان بقعةً ، وأكثرها ثمرة ، لكثرة الفواكه في بساتينهم ، حتى لا يقوم ثمنها بمؤنة نقلها لرخصها . فيتخذونها سرجيناً يدمنون به أرضهم ؛ وربما بيع فيها وسق القارب من التفاح بما تباع به الأرطال اليسيرة في غيرها . ومما خصت به سرقسطة معدن الملح الدراني ، الذي لا يوجد مثله في مكان ولا يعدل به . وأخذ النصارى سرقسطة من يد المسلمين سنة 512 ، بعد أن حاصروها تسعة أشهرٍ ،