محمد بن عبد المنعم الحميري
93
صفة جزيرة الأندلس منتخبة من كتاب الروض العطار في خبر الأقطار
يخمع منها ، فلجأ إلى تلٍ كان يلي محلته في نحو الخمسمائة فارس كلهم مكلوم ، وأباد القتل والأسر من عداهم من أصحابهم ، وعمل المسلمون بعد ذلك من رؤوسهم صوامع يؤذنون عليها ، وابن فرذلند ينظر إلى موضع الوقيعة ومكان الهزيمة ، فلا يرى إلا نكالاً محيطاً به وبأصحابه . وأقبل ابن عباد على يوسف فصافحه وهنأه وشكره وأثنى عليه ، وشكر يوسف مقامه ، وحسن بلائه وجميل صبره ، وسأله عن حاله عندما أسلمته رجاله بانهزامهم عنه فقال : هم هؤلاء قد حضروا بين يديك فليخبروك ! ولما أنحاز الطاغية بشرذمته ، جعل ابن عبادٍ يحرض على اتباع الطاغية ، وقطع دابره ، فأتى ابن تاشفين واعتذر بأن قال : لو اتبعناه اليوم لقي في طريقه أصحابنا المنهزمين راجعين إلينا منصرفين ، فيهلكهم ؛ بل نصبر بقية يومنا حتى يرجع إلينا أصحابنا ، ويجتمعوا بنا ، ثم نرجع إليه فنحسم داءه . وابن عباد يرغب في استعجال إهلاكه ويقول : إن فر أمامنا لقيه أصحابنا المنهزمون فلا يعجزون عنه ! ويوسف مصر على الامتناع من ذلك . ولما جاء الليل تسلل ابن فرذلند وهو لا يلوى على شيء ، وأصحابه يتساقطون في الطريق واحداً بعد واحدٍ من أثر جراحهم ، فلم يدخل طليطلة إلا في دون المائة . وتكلم الناس في اختلاف ابن عباد وابن تاشفين ، فقال شيع ابن عباد : لم يخف على يوسف أن ابن عباد أصاب وجه الصواب والرأي في معالجته ، لكن خاف أن يهلك العدو الذي من أجله استدعاه فيقع الاستغناء عنه ! وقالت شيع يوسف : إنما أراد ابن عباد قطع حبال يوسف من العود إلى جزيرة الأندلس ! وقال آخرون : كلا الرجلين أسر حسوا في ارتغاءٍ ، وإن كان ابن عباد أحرى بالصواب .