الشيخ الجواهري

68

جواهر الكلام

وربما سلك بعضهم في استفادة التطهير من لفظ طهور في الآية طريقا آخر ، وهو أن الظاهر من قوله تعالى : " وأنزلنا من السماء ماء طهورا " إرادة الطاهر منه لكونه واقعا في معرض الامتنان المستلزم لذلك فإنه لا امتنان بالنجس ، فتعين حينئذ طهور لإرادة المطهرية لا استفادة أصل الطهارة بدونه . وهو لا يخلو من وجه ، كاحتمال القول أنه يراد المطهرية منه ولو مجازا بقرينة قوله تعالى : " وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به " والأولى الاستناد في ذلك إلى ما ذكرناه أولا من النقل اللغوي والاستعمال . وتذكر المبالغة واستفادة الطاهرية بدونه وقوله تعالى ليطهركم به وغير ذلك مؤيدات له . وقد يسلك لاستفادة ذلك طريق آخر مغاير للأول كما وقع من جماعة ، وهو بأن يقال إن لفظ الطهور يأتي مصدرا كما عن النهاية والمغرب والقاموس والطراز وعن الزمخشري وابن الأثير حكايته عن سيبويه ، ومنه قولهم تطهرت طهورا حسنا . وهل هو حينئذ بمعنى التطهر أو الطهارة ؟ احتمالان : عن المغرب النص على الأول ، كما عن كنز العرفان والكشاف التفسير بالثاني ، وكذا عن الطراز وعنه أيضا أنه مصدر لتطهر على غير القياس ويأتي اسما للآلة فيكون معناه ما يتطهر به كالوضوء والغسول والفطور كما نص عليه في الصحاح ، وهو المنقول عن المحيط والأساس والكشاف والغريبين والمغرب والنهاية والطراز . وفي الذخيرة أنه قد جاء طهور لما يتطهر به باتفاق من وصل إلى كلامه من أهل اللغة وهو بالفتح لا غير بخلافه مصدرا فإنه بالفتح والضم ، وعن النهاية ضبط المصدر بالضم ، ونقل الفتح عن سيبويه . وكيف كان فيقال حينئذ أما حمله على المصدر في المقام بناء على مجيئه مفتوحا فممنوع بناء على جعله نعتا للماء إلا على تأويل ، ولعل تأويله بمطهر حينئذ أولى لوجوه منها موافقة الآية الثانية وكونه أقرب للفعل الذي هو مصدر له على بعض الوجوه ، بل أولى من ذلك بقاؤه على المصدرية وجعله منصوبا على معنى اللام ، فيوافق التعليل في الآية الثانية فتأمل جيدا . وأما حمله على الآية فقد صرح به هنا جماعة كصاحب الصحاح وغيره . وربما استشكله بعضهم أنه حينئذ لا يصلح