أبي بكر ابن عاصم القيسي الغرناطي
4
تحفة الحكام في نكت العقود والأحكام
الراشدين ، وعلى آله الأخيار من بعدهم أجمعين . وبعد ، ، ، ، ، فإنا إذا تصفحنا الفضائل لنعرف منازلها في الشرف ، ونتبين مواقعها من العظم ، ونعلم أي أحق منها بالتقديم ، وأسبق في استيجاب التعظيم ، وجدنا العلم أولاها بذلك وأولها هنالك ، إذ لا شرف إلا وهو السبيل إليه ، ولا خير إلا وهو الدليل عليه ، ولا منقبة إلا وهو ذروتها وسنامها ، ولا مفخرة إلا وبه صحتها وتمامها ، ولا حسنة إلا وهو مفتاحها ، ولا محمدة إلا ومنه ينقد مصباحها ، وهو الوفي إذا خان كل صاحب ، والثقة إذا لم يوثق بناصح ، لولاء لما بان الإنسان من سائر الحيوان ، إلا بتخطيط صورته وهيئة جسمه وبنيته ، ولا وجد إلى اكتساب الفضل طريقا ، ولا وجد بشيء من المحاسن خليقا . والحمد لله الذي أوجب على أول الأمر العدل في القضاء بين الناس وإقامة الميزان ، وحرم الظلم والجور وشهادة الزور وأكل أموال الناس بالباطل وما يخل بعدالة الإنسان ، وأمر بحفظ اليمين ومدح من أمر بالصلح بين الخصوم ليزول عنهم الشحناء والشنآن ، وأباح لنا النكاح وحرم علينا الزنا والسفاح ، وأحل الطلاق والبيع وحرم الربا والخدعة والتدليس ، وأمر بالوصية وقسم المواريث بنفسه سبحانه وتعالى بين خلقه ؛ ليأخذكل ذي حق حقه حقه من ذلك بلا نزاع من الخسيس والنفيس ، فيا ويل من منع أصحاب الحقوق من ذلك ، وما أبعده عن الجنة ؛ لافتدائه بعمل الجاهلية في حرمان الإناث من الميراث ، وتركه ما جاء به الكتاب والسنة . فإن علم أحكام القضاء هو من الدين بمنزلة الرأس من سائر الأعضاء ، وآدابه من أجل الآداب المرعية ، وخطته من أعظم الخطط الشرعية ، ركن من أركان الشريعة بل هو أسها ، ورئيس العلوم الإسلامية بل هو رأسها ، ولذلك قيل : القائمون من البشر بحقه هم رسل الله أو ورثتهم من خلقه . فقام بها في هذه الملة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعده الخلفاء الراشدون ، ولما تميز الملك من الخلافة صار يختار لها الأئمة المهتدون .