أبي هلال العسكري
167
الوجوه والنظائر
الجدال أصله من الجدل ، وهو الفتل ، يقال : جدلت الحبل جدلا إذا فتلته ، وهو مجدول ، وأصل الكلمة من القوة ، ثم سميت الأرض جداله لقوتها ، وسُمِّي الجدال جدالا لأنك تقوم به حق القيام ، لتقوي مذهبك ، كما أن الحبل مجدل القول ، والأجدل الصقر ، وسمي بذلك لقوته ، ويجوز أن يقال : الجدال هو أن تفتل الخصم عن مذهبه بحجة أو [ شُبْهة ] أو شغب ، ويفتلك عن مذهبك بمثل ذلك . والجدال في القرآن على أربعة أوجه : الأول : الخصومة ، قال : ( وَهُم يجادِلُونَ فِي الله ) ، أي : يخاصمون ، وقال : ( وَجَادَلُوا بِالبَاطِلِ ) . الثاني : السؤال ، قال الله : ( يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ ) أيْ : سأل رسلنا ويستثبت أمر ما يعذب به قوم لوط ، وقال أبو علي : جادلهم بما استحقوا عذاب الاستئصال ، وهل ذلك واقع بهم لا محالة ، أم هم إخافة ليقبلوا إلى الطاعة ، وهذا يقوي ما تقدم من أنه سؤال . الثالث : المناظرة على إثبات الحق وإبطال الباطل ، قال تعالى : ( يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا ) ، وفي هذا دليل على أن الجدال لإقامة الحجة حسن ، وأنه يقوم به الحجة ولولا ذلك لم يجادل نوح عليه السلام . وقد يكون المناظران محقين بأن يكون كل واحد منهما يناظر ليعرف الحق ، ولا يكونان متجادلين إلا وأحدهما مبطل أو كلاهما ؛ لأن الجدال هو فتل الخصم عن مذهبه ، وفتل الحق عن الحق باطل ، قال اللَّه تعالى ( مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ) ، . . . . . .