أبي هلال العسكري

161

الوجوه والنظائر

الثاني : بمعنى التخلية ، قال تعالى : ( وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ) أي : يخلي بينه وبين ما يخرج به صدره من الكفر ؛ لأن مع الإيمان ثلج الصدور ، وليس ذلك مع الكفر . وأما الطبع والختم واللعن والأكنة والوقر والعمى والصمم والبكم والرجس ونحو ذلك فإنه ذم وليس بمن ذكره إلا بعد ذكر المعصية ولزمهم هذه الأسماء جزاءا لذنوبهم ، ويجوز أن يكون تسميته إياهم بهذه الأسماء على جهة التمثيل ؛ لأنا نعلم أنه ليس على بصر الكافر غشاوة . الثالث ؛ منع الإلطاف ؛ قال الله تعالى : ( وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا ) أي : تمنعه ألطافنا فيعرض عن القرآن ولا ينتفع به ؛ فكأنا جعلنا بينه وبينه حجابا ، ولو علم أن ألطافه تنفعه ما منعه إياها ولكنها لا تنفعه فهو بمنزلة من لا ألطاف له ولو كان الطبع والختم وما بسبيلهما منعا لهم عن الإيمان لما قال : ( وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ ) . الرابع : بمعنى الوصف ؛ قال : ( وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ ) و : ( الْجِنَّ ) هاهنا الملائكة سموا بذلك لاستتارهم عن الأبصار ، وأصل الجن والجِنَّة ، والجَنَّة والجنون الستر ، أي : وصفوا الملائكة بأنهم شركاء الله ، ونحوه قول الرجل لمن يصفه باللصوصية : جعلتني لصا ، أي : وصفتني بذلك ، ونحوه قوله : ( وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ) قال بعض أهل اللغة : الجزء هاهنا بمعنى الإناث ، يقال : أجزئت المرأة إذا ولدت أنثي ، وأنشد : إنْ أَجْزَأَتْ حُرَّةٌ يوماً فلا عَجَبٌ . . . قد تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارُ أحياناً ويجوز أن يكون الجن في قوله تعالى : ( شُرَكَاءَ الْجِنَّ ) . الجن المعروف . وكان بعض العرب يذهب إلى أن سروات الجن بنات اللَّه ، فرد اللَّه ذلك بهذا القول وشَرْحُ ذلك جرى في كتابنا في التفسير .