أبي هلال العسكري
150
الوجوه والنظائر
الأول : هذا القول ، وهو قوله تعالى : ( تمَنوُا المَوتَ إِن كنتُم صَادِقينَ ) وذلك أن اليهود قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه ، فقال اللَّه لهم : إِن كنتُم كذلك فتمنوا الموت لتموتوا ، فتصيروا إلى الثواب عاجلا ، ثم أخبر أنهم لا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم من الذنوب ، فكان هذا خبر غيب دالا على صدق الدعوة ، فلم يكن فيهم أحد يقول : إني تمنيت ولم أمت ، وشرح ذلك جرى في كتابنا في التفسير . والثاني : القراءة ، قال الله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ) يقال : تمنى الرجل إذا قرأ ، قال الشاعر : تَمَنَّى كتابَ اللهِ أوَّلَ لَيلهِ . . . وآخِرَه لاقى حِمامَ المقادِرِ والرسول والنبي واحد ، وإنما أراد التوكيد فكرر . كما تقول : أحب كل مؤمن ومسلم ، والمؤمن والمسلم سواء ، وعلى هذا فإن بين المؤمن والمسلم فرقا في العربية ، وكذلك بين الرسول والنبي ، وأما في أسماء الدين فكل ذلك سواء ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قرأ القرآن غلط الغلط الذي يجوز مثله على القارئ ، وكان اللَّه ينبهه على الصواب ، فيرجع إليه ، فعاب ذلك عليه أعداؤه ، وليس فيه عيب ؛ لأن البشر لا يخلو من السهو والغلط ، وجعل الله تنبيهه إياه على الغلط نسخا له ، ورده إلى الصواب إحكاما لآياته . وأما ما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ : ( أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ، تلك الغرانيق العلى ، منها الشفاعة ترتجى ، ثم سجد ، وسجد المشركون ، وقالوا : قد رجع إلى دينكم ، فإن ذلك كذب ، لأن القارئ لا يغلط بمثل هذا ، ولا يجوز أن يقوله النبي صلى الله عليه وآله تعمدا ، لأنه كفر ، ولا يقع الكفر من الأنبياء . وأخرى فإنه لا خلاف بين الرواة أنه - صلى الله عليه وسلم - كان لا يمكنه الصلاة عند الكعبة ظاهرا ؛ لما كان المشركون ينالونه به من المكروه ، فكان يصلي عندها ليلا حين لا يطلع عليه أحد منهم ، فكيف سجدوا لقراءته ، وهذه حاله عندهم ، حتى كأنهم كانوا على ميعاد ؟ !